هسبريس - محمد السادس ملك المغرب

عادل بن حمزة يكتب: ترسيم الأمازيغية أم إماتتها بصفة رسمية؟

شكلت الأمازيغية في المغرب منذ إنهيار جدار برلين، واحدة من الملفات المطلبية التي كانت تضفي على الحياة السياسية والحقوقية بعداً جديداً يعكس قلق نخبة مثقفة أدخلت البعد الهوياتي في معادلة تحقيق الديمقراطية.

هذا القلق سيولد ديناميات متعددة أعطت حضوراً وازناً للحركة الثقافية الأمازيغية، التي استطاعت أن تفرض المطالب المتعلقة باللغة والثقافة الأمازيغية على جدول أعمال الإصلاح السياسي والدستوري الذي عرفه المغرب، فكان الموقف من الأمازيغية يماثل الموقف من الديمقراطية ذاتها، حتى أن أحد الشعارات التي كان لها صدى واسعاً، كان يقول "لا ديمقراطية.. بدون أمازيغية".

لقد شكل ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية في دستور 2011، تحولاً مهماً في مسار طويل خاضته الأمازيغية من أجل الإعتراف الرسمي، لقد تحدث الملك الراحل الحسن الثاني في 1994 عن تدريس الأمازيغية بتعبيراتها الثلاثة الرئيسية (تمازيغت، تاريفيت، تاشلحيت)، هذا الخطاب جاء ثلاث سنوات بعد "ميثاق أكادير" الصادر سنة 1991والذي وضع اللبنة الأولى للعمل المشترك من أجل تحقيق الحقوق المدنية والسياسية في شقها المتعلق بالثقافة والهوية الأمازيغية.

لم يتحقق إلتزام الملك الراحل، وظل الأمر مجرد وعد معلق على الحجم الحقيقي لتراكم عملية الاصلاح السياسي، في ظل هذه الوضعية تزايد الوعي بأهمية اللغة والثقافة الأمازيغية، فتعززت الصفوف بأجيال جديدة أعادت بشجاعة صياغة هويتها، وانفتحت بلا عقد على جانبها المتعدد، فأضحت تدريجيا تعزز وعيها المدني وتوسع حضورها في الإعلام والأحزاب والمجتمع المدني، حيث تقدمت الحركة الثقافية الأمازيغية بمذكرة مطلبية سنة 1996 بمناسبة مراجعة دستور 1992، في ظرفية دقيقة كانت تمر بها البلاد، فكان مهما في تلك اللحظة اعتبار الحماية الدستورية للأمازيغية هي الضمانة الأساسية لإعادة الاعتبار لها، ولأن لا شيء من ذلك تحقق، صدر البيان الأمازيغي سنة 2000 كخطوة متقدمة في الترافع حول الأمازيغية، وفي سنة 2001 سيتم إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وكان هذا الإحداث يوحي بمصالحة حقيقية مع المكون الأمازيغي للهوية المغربية، وقد قام المعهد بالمساعدة على إنطلاق تدريس الأمازيغية في الموسم الدراسي 2003/2004، في أفق تعميم التجربة سنة 2010.

مرة أخرى لم يتحقق ما كان مبرمجاً، بحيث لم تكن هناك الجدية الكافية لتوفير جميع الشروط لإنجاح تجربة التدريس، لذلك ساد شعور كبير لدى النشطاء الأمازيغ؛ بأن الدولة تستغفلهم وتراهن على الزمن لدفع مطالبهم إلى الخمول، وهو ما يكفي لمحو وإضعاف ما تبقى من تعبيرات الأمازيغية، بفعل واقع المدرسة والإعلام، لذلك كانت المطالب الأمازيغية في صلب حراك 20 فبراير، و "صدفة" أصبحت الدولة التي أفشلت تعميم تدريس الأمازيغية سنة 2010، تعطي للغة الأمازيغية صفة "لغة رسمية" في دستور 2011.

المادة الخامسة من دستور 2011 رهنت ترسيم الأمازيغية بقانون تنظيمي يوضح مراحل هذا الترسيم، ولأن ذات الدستور -على عكس الدساتير المغربية السابقة- حدد للحكومة والبرلمان أجل الولاية الحالية لإخراج كل القوانين التنظيمية، كان متوقعا أن تبدأ المشاورات حول هذا القانون بصفة مبكرة، بالنظر إلى إرتباط ترسيم الأمازيغية بمجموع الترسانة القانونية، لكن الذي حدث هو أن القانون التنظيمي للأمازيغية سيكون آخر قانون تنظيمي منصوص عليه في دستور 2011 الذي سيتم تقديمه للبرلمان، وهو ما يعني إهدار خمس سنوات تضاف إليها 15 سنة أخرى، والتي هي السقف الذي وضعه مشروع القانون التنظيمي للأمازيغية لكي يتم ترسيمها.

جملة يمكن القول أننا نسير بخطى حثيثة لإماتة اللغة الأمازيغية بصفة رسمية، وليس ترسيم الأمازيغية. وهذا الأمر ستكون له عواقب وخيمة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".