محمد علاء الدين يكتب: علمانية طالبان

لمدة ساعات قليلة، كشف كُل من العلمانيين المصريين والعلمانيين الأتراك عن معدنه.

لا أقصد هنا بالمعدن الحديث عن الأخلاقيات، وإن كانت مهمة، ولكنني اقصد مجموعة التفاعلات الفكرية والثقافية والاقتصادية التي كونت كل منهما. نجد أن العلمانيين المصريين، إلا من رحم ربي، قد كشروا عن أنيابهم جذلا بما بدا كأنه نجاح للانقلاب العسكري ضد أردوان، بينما صعدت نخبة العلمانيين الأتراك إلى ذرى النضوج، حين كانوا أول من أدانوا العدوان على الديموقراطية والقيم الدستورية.

علمانيون مصريون، أو من يتصوروا أنفسهم علمانيين، يبتهجون بقتل ما يزيد عن 150 مدنيًا في أقل من أربع ساعات، وبصواريخ تطلق على المنشآت التركية من المال التركي، وبتهديدات تتصاعد ضد السوريين والأقليات العرقية في تركيا. وجدنا علمانيين نسيهم الزمن منذ انقلاب كنعان افرين، فأعادوا إنتاجه مع السيسي في العام 2013.

كيف يحاضر في العلمانية، من بارك قتل وسحل وتنكيل وحبس عشرات الآلاف من بني شعبه؛ العلمانية التي أوجدها البشر درعا لهم ضد أي نير أو عسف.

كتب اورهان باموق أن الطبقة الوسطى التركية، في معظمها، قد رحبت بانقلاب افرين، ولم يمكنني تخيل هذا حتى رأيته في بلدي بأم عيني في العام 2013. كما لم أتخيل، وهذه مفاجأة سارة هذه المرة، أن يتخلى الأتاتوركيون عن الدبابة، أن يسطروا لحظة مضيئة تسجل لعلمانيي الشرق، وأنا من بينهم شاكرا، حين رجعت هذه الصفة  لتكون لصيقة بالبوت العسكري الكريه، ليس من قبل الأتاتوركيين هذه المرة، ليس من أطفال لائكية فرنسا "الطالبانية"، بل من مجموعة من المثقفين المصريين لا يمكن وصفهم بالعلمانية -على امتداد تجربتهم التاريخية- إلا من باب جبر الخواطر.

علمانيون مصريون، أو من يتخيلون كونهم علمانيون، يتخلون عن اكليشيهات "الثورة الشعبية الحاشدة" و"الموجة الجديدة للثورة" أو "ثورة التصحيح" حتى، كل ما قيل عن 3 يوليو، ليبتهجون في شماتة بانقلاب يمكنه رمي أكثر بلاد الشرق تقدما إلى حرب أهلية طاحنة، ثم، وحين فشل الانقلاب بذات "الحشد الشعبي العظيم"، نجدهم يتباكون على مشاهد تظهر الشعب وهو يتصدى لقتلة خونة، يتباكون على البوت العسكري الصديق، البوت السيد، لينقلب "الحشد الشعبي العظيم" إلى جماعات "طالبانية" وفاشية والخ الخ. يتباكون على الأكراد والأكراد من وقفوا ضد الانقلاب، يتباكون على العلمانية والعلمانيون الأتراك أول من وقفوا ضد الانقلاب، يزايدون على أهل البيت، ثم يصل بهم الجبر والعمى أن يقارنوا الانقلاب العسكري الفاشل على اردوان بالانقلاب العسكري الفاشل على هتلر، ويقولون إن الاثنان قد وصلا بالانتخابات الديموقراطية. حسنًا، لست من مشجعي اردوان ولا سلطويته، لكن حزب العدالة والتنمية قد خسر أغلبيته المطلقة في انتخابات تحت حكمه، ليستعيدها بعد استرضاء الناس. أي هتلر وأي نازية؟ بل، وعلى الجانب الإيجابي، أي شعب قد عاقب حكامه في الانتخابات، ثم صالحهم، ثم نزل ليدافع عن دولته، وكانت نخبته المعارضة أشد نضجا من نخبتنا؟

كيف يحاضر في العلمانية من بارك قتل وسحل وتنكيل وحبس عشرات الآلاف من بني شعبه؛ العلمانية التي أوجدها البشر درعا لهم ضد أي نير أو عسف أو سلطوية باسم المقدس أو حتى باسم البشرية؟

وفي هذه الأيام، يشارك العلمانيون الإسلاميون الاحتفال بسقوط الانقلاب، متمنين الحفاظ على ما جعل تركيا تتألق بين بلدان الشرق في أقل من عشرين عاما: الحرية والديموقراطية والعلمانية. أمامهم مهمة صعبة لأن اردوان قد يرى عمامة الخليفة أقرب منالا الآن، ولأن تركيا لن تصير بريطانيا في أقل من عشرين عاما. التحديات صعبة وصعبة جدا، والقلق مستحق، ولكن الحقيقة الباهرة هي: لقد قدم الشعب التركي درسا للجميع، الغرب قبل الشرق.

ولا عزاء لمن يدمرون بلادهم، ويتركون الفرصة لمظلومية الإسلاميين، في لعبة هم جعلوها الحكم لمن غلب، بالمدفع لا بالصندوق، بالدماء لا بالعقول.

قد نغضب قليلا ونفكر: هم يستحقون طبيب الفلاسفة، كما استحقت تركيا علمانييها. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".