نور الدين ناصر - طرطوس- مخيم الكاراج القديم

نور الدين ناصر يكتب: طرطوس.. المنسي و المسكوت عنه

في الزوايا المظلمة وبعيداً عن ضوضاء الإعلام المحلي والدولي، وبعيداً عن اهتمام المنظمات الدولية الإنسانية منها والحقوقية، ثمة ما هو منسي إن نحن أحسنّا النيّة، أو ما هو مسكوت عنه إن كنا أكثر واقعية وفهماً لحقائق الأمور.

في جولة سريعة ضمن مدينة طرطوس الساحلية التي استقبلت مئات آلاف السوريين الهاربين من نار الحرب والعنف، (قدرت الإحصاءات الحكومية عدد السوريين الوافدين إلى طرطوس منذ بداية 2011 وحتى اليوم بحوالي 800 ألف نسمة) سترى أعداداً كبيرة من الأطفال في الشوارع يتسوّلون مباشرة أو عن طريق بيع بعض الأشياء البسيطة.

هؤلاء الأطفال لهم أهل مهجّرون أو مقيمون. وإذا دققت أكثر ستجد أطفالاً يجولون على مزابل المدينة ويجمعون منها المواد البلاستيكية. هؤلاء الأطفال يعملون مع أهلهم القاطنين في خيام بين الزيتون في الطرف الشرقي من المدينة ويعيشون من بيع هذه المواد لإعادة تدويرها.

(خيام الزيتون واحدة من تجمعات النازحين إلى طرطوس فهم يتواجدون في مخيم قرب الكراجات، وآخر في منطقة الكرنك، وثالث في معسكر الطلائع، إضافة لتجمعات في مراكز إيواء في الدوائر العقارية القديمة، ومبني مديرية الشؤون الاجتماعية، وفي الصالة الرياضية والملعب، وفي الأبنية قيد الإنشاء، إضافة لا نتشارهم في مئات الشاليهات المستأجرة شمال المدينة وجنوبها، علماً أن 70% من الوافدين يستأجرون شقق سكنية ضمن المدينة وفي ضواحيها - الشيخ سعد مثلاً - وفي المناطق والريف أيضاً).

معظم الأطفال الذين تركوا مدارسهم كي يعملوا مع أهلهم، ليسوا من أهل الخيام فقط، بل هم من الذين رفضوا السكن في الخيام ومراكز الإيواء.

المشهد لا يكتمل هكذا ، ففي جولة إلى المنطقة الصناعية  ستكتشف أن أغلبية العمالة صارت من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين  8 و 16 سنة، أعداد كبيرة أيضاً من الأطفال يعملون في ورشات  ومعامل صغيرة  تنتشر بشكل خاص جنوب المدينة على طريق الهيشة، وفي منشآت زراعية في ضواحي المدينة وريفها، وهؤلاء ليسوا فقط من الوافدين إلى المحافظة بل من سكانها أيضاً، الذين تضرروا في هذه الحرب، وتم إفقارهم، فدفعتهم الحاجة أو فقدان المعيل لتشغيل أطفالهم. التقدير الأولي لعدد هؤلاء الأطفال هو حوالي ال 2000 طفل في  طرطوس وحدها.

صاحب ورشة يختصر الحكاية بكلمات بسيطة:

(ما ضل في شباب! ... يا أمّا عم يحاربو ! .. يا ماتوا  !... يا هاجروا ! )

والذي يُسكت عنه هو أن هؤلاء الأطفال يعملون ساعات طويلة، بأجور زهيدة جداً، وفي ظروف خطيرة على صحتهم وحياتهم.

إن الفكرة التي يجب ألا تغيب هنا، هي أن معظم الأطفال الذين تركوا مدارسهم كي يعملوا مع أهلهم، ليسوا من أهل الخيام فقط، بل هم من الذين رفضوا السكن في الخيام ومراكز الإيواء أيضاً، فكان لزاماً عليهم أن يعملوا كي يؤمنوا أجور المساكن التي يقطنوها، مع الحد الأدنى من متطلبات العيش، في مدينة قتلها الغلاء إن لم تقتلها مسائل كثيرة.

بادر بعض المتطوعين  لتشجيع الأهل على إرسال أولادهم إلى المدارس، تجاوب البعض ثم تراجعوا لأسباب عديدة، منها عدم وجود اهتمام مناسب بهم في المدارس بسبب ضعف مستواهم، خاصة وأنهم وضعوا في صفوف تتناسب مع أعمارهم، وليس مع مستواهم التعليمي (حسب تعليمات وزارة التربية) ومع ذلك حاول بعض الشباب المتبرعين أن يرمموا هذه الهوة من خلال التعليم  خارج المدرسة. لكن ضعف الإمكانات جعل هذه التجربة محدودة التأثير، ولا تطال إلا عينة قليلة جداً من الأطفال  ولفترة محدودة.

إن العناية بآلاف الأطفال المتسربين من المدرسة يحتاج لإمكانات وجهود  مؤسساتية كبيرة، يحتاج لدولة تحترم مواطنيها، وتدافع عنهم، و تؤمن حياة كريمة لهم، حتى يكونوا قادرين على سحب أطفالهم من الشوارع أو من سوق العمل.

في كل الحروب يحصون عدد القتلى والجرحى والمفقودين،  لكن إحصاء عدد الأطفال الذين غادروا طفولتهم وتركوا لأقدارهم الغامضة، هو الإحصاء الممض المرعب والمهدد لأي مستقبل  مضيء نحلم به، هو الإحصاء المنسي والمسكوت عنه ! 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".