reporters - الدبابة والعسكر.. مظهر مألوف في مصر ما بعد الإطاحة بالرئيس مبارك - أرشيف

وجدي عبد العزيز يكتب: الثورة المصرية المنحرفة

تاريخ مصر مليء بالثورات التي انحرفت عن مسارها وأهدافها في تحسين الأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بداية من ثورة المصريين عام 1805 ضد استبداد الوالي العثماني خورشيد باشا وتولي العسكري الألباني محمد على حكم البلاد بتأييد شعبي، مرورا بثورة عرابي و ثورة 1919 وصولا إلى ثورة 1952، وأخيرا الثورة التي أسقطت حكم مبارك ولكنها لم تسقط النظام كما ادعت صحيفة الأهرام في مانشيت عريض عقب تنحي مبارك.

صحيح أن مصر ليست وحدها التي شهدت انحرافا عن مسارها الثوري، فتقريبا كل دول "الربيع العربي" شهدث درجات متفاوتة من هذا الانحراف، بما أدى إلى استيلاء جماعات الإسلام السياسي ممثلة في جماعة "الإخوان المسلمون" المدعومة غربيا وأمريكيا، مثلما حدث في مصر وتونس، بدعوى أنها جماعة تمثل الإسلام "المعتدل"، ويمكنها التأثير في الجماهير واحتوائها حول ما سمي بالمشروع الإسلامي الديمقراطي الذي لم يظهر سوى على صفحات الدوريات الأجنبية وتقارير مراكز الأبحاث التابعة للمخابرات الدولية، وفي دول أخرى استولت الجماعات الإسلامية المسلحة على زمام الأمور والمبادرة بقوة السلاح، مثلما حدث في ليبيا وسوريا واليمن.

كان صوت المعارضة خافتا لا يكاد يسمع حتى لا يتأذى أصحاب السلطة والثروة، لا فرق بين إعلام تملكه الدولة أو خاص يملكه أصحاب الحظوة

وفي مثل هذه الأيام يسترجع المصريون ذكريات الثورة على حكم "الإخوان المسلمون" والإطاحة به، وهذه الأحداث تكشف إلى أي مدى تتكرر مآسي المصريين مع ثوراتهم. فبعدما خرجوا لإنهاء بوادر سيطرة الحكم الديني آملين في بناء دولة حديثة وعصرية وديمقراطية، يجدون أنفسهم يقعون مجددا تحت حكم استبدادي عسكري، وهو الأمر الذي يضع البلاد حاليا على حافة الهاوية، في ظل تنامي الاستبداد وتقيد حرية الصحافة، وغلاء الأسعار وتدني مستويات الأجور وتفشي البطالة والفساد، علاوة على التفريط في جزيرتي تيران وصنافير للسعودية مقابل الدعم المالي الذي يقدر بحوالي 18 مليار دولار.

قبل خمس سنوات لم يكن أحد يتخيل أن تحدث ثورة في مصر. فالأوضاع كانت قد تكلست على ما هي عليه لعشرات السنيين، وظل منظرو النظام يحتلون صفحات الصحف وشاشات التلفاز العام والخاص، وكان صوت المعارضة خافتا لا يكاد يسمع حتى لا يتأذى أصحاب السلطة والثروة، لا فرق بين إعلام تملكه الدولة أو خاص يملكه أصحاب الحظوة المقربين من الحكم من رجال الأعمال الكبار. وبعد مرور هذه السنوات على الانتفاضة الثورية، نرى اليوم كيف انحرفت الثورة عن مسارها، وعادت نفس الوجوه والسياسات للظهور مرة أخرى وكأن شيئا لم يحدث، رغم التضحيات الهائلة من الشباب والثوار.

ومثلت ترسانة القانونين المستبدة والمقيدة للحرية الإعلامية في مصر، حجر عثرة أمام انطلاق الحريات الإعلامية. هذه القوانين كبلت وسائل الإعلام التقليدية ومنعتها من القيام بالكثير من أدوارها في مكافحة الفساد وإظهار الحقائق أمام الرأي العام، بل استخدمت ولا تزال في كثير الأحيان في تجميل وجه النظام القبيح، وكبح الدعوات المطالبة بالتطهير ومحاربة الفساد، والتنكيل بالإعلاميين الملتزمين بالمهنية والاستقلالية مثلما حدث مع الكثيرين، وآخرهم الإعلامية "ليليان داود" التي تم القبض عليها فور انتهاء تعاقدها مع قناة "أون تي في" التي اشتراها أحد أباطرة النظام القديم/الجديد.

وبتزايد حالة الإحباط والسخط، تتزايد أيضا حالة الجذر في الحالة الثورية لدى قطاعات كبيرة من الثوريين والنشطاء رغم تعدد حالات الاضرابات والاعتصامات العمالية والطلابية، وآخرها مظاهرات طلاب الثانوية العامة في ميدان التحرير الذي لم تصله أقدام الثوار منذ ثلاث سنوات. وتظهر حالة الجذر في ضعف التنظيم لأي فعالية والتسرع بالإعلان عنها دون تنسيق كاف، بما يؤدي لظهورها ضعيفة وقليلة التأثير، فضلا عن الضعف البنيوي في الأحزاب المصرية حديثة النشأة رغم كثرة عددها وتنوع توجهاتها. وتظل السيطرة الاستبدادية على المجال العام عاملا رئيسيا في إضعاف هذه الأحزاب والحركات، بل وتشويهها كلما أمكن، وتلطيخ سمعة رموزها بالعمالة والخيانة.

ما تعاني منه مصر الآن، ليس فقط الفقر الاقتصادي بل أيضا غياب الرؤية السياسية الشاملة التي تستطيع أن تلهم الجماهير التواقة للعدالة والحرية. وتتحمل النخبة السياسية الكثير من اللوم المستحق لأنها وافقت على السير خلف الشعارات الجماهيرية العفوية المستنجدة بالمؤسسة العسكرية للتخلص من أزماتها. ولكن هذه المؤسسة عملت في الواقع على تكريس هذه الأزمات دون تقديم حلول حقيقية أو جذرية لها، بما يستوجب من القوى الثورية التوحد لتصحيح مسار الثورة، وألا تنحرف مرة أخرى بأيدي العسكر أو المتأسلمين.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".