AP - لاجئة سورية في لبنان

علاء الدين عبد المولى: في مديح الأنثى السورية وهجاء المذبحة!

منطقيا الأنثى في الحروب تدفع الأثمان المضاعفة، وفي مراحل الفوضى المرتطمة بجنون السلاح والقتل والدم، تعلو عتبةُ الألم والقهر لديها أكثر. تنسحب من أعماقها طاقة الأمل وقوةُ انتظار المستقبل. الأنثى المرتبطة سيكولوجيتها بالانتظار ودقائق الزمن وثوانيه، تعرف كيف تتسمّع على نأمةِ الغيمةِ الماشية في طرقات السماء، تحولت الآن في سوريا إلى راصدةٍ لوقعِ أقدام الوحش الآكل الأخضر واليابس، الآملَ واليائس، وترى إلى روحها تفرغ ببطءٍ من معناها.

الأنثى: وأعني بما تحمله من افتراقاتٍ عن الأنثى في دولِ العالم المشمس، المستسلم لنظافة مدنه وبحاره، وكثيرٍ من زيف حداثته ومعضلات حرياته الشخصية، الأنثى هذه المصابة بالأصل بمرض الحصار النفسي والقمع، هي اللقمة الأسهل في هذه المرحلة للحصار والقمع والتشنيع والتشهير والاغتصاب الروحي الذهني قبل أي اغتصاب آخر. واسألوا أي أنثى عن اغتصابها الروحي، سوف تحدثكم طويلاً... طويلا.

حطام الأنثى السورية ليس كمثله حطام. كلنا محطمون نعم، وحطامها بئرٌ تنحفر أعمق فأعمق، لأنّ مرضنا نحن أننا ’متفوقون‘ عليها حتى في بناء الحطام

اسألوها عن انطفاء عينيها، عن خساراتها التي لن تعوض فيما ينتابها من ضياع حبيب أو أخ أو ابن او زوج أو صديق، ضياع – قتل – تهجير – اعتقال – اختطاف... اسألوها بمَ تفكر وهي تتفرج على  دماء زوجها أو حبيبها أو صديقها... لن يقدر أحد أن يرمم هذه النفسية المحطمة.

وبحكم انتظامهم في رؤية الذكورة، وسطوة الأخلاق، سوف يتدبر الآخرون أمورهم أسرع، أو سيكون لديهم إمكانيات الانبناء بشكل أوضح. سوف تبقى الأنثى – بحكم انتظامها أيضا في رؤية الذكورة – محاصرةً داخل خرابها، داخل البقعة السحيقة تلك في أبعد أبعد منطقة نائية من روحها. روحُ الأنثى التي تهبط الآن شيئا فشيئاً إلى العالم السفليّ من الشتات، سوف تبقى طويلاً تنتظر في ردهات المتاهة تلك. ليست المسألة ارتجالاَ شعرياً، أو تمييزاً جنسيّاً، فواقع الأمر والتاريخ يوحي بمصداقية هذا.

نشعر كم من الخسران الفادح ينهش روح الأنثى السورية الآن، كم من الاصفرار في أعماقها، كم من الخريف تنطوي عليه ضلوعها، كم من الانشداد نحو اللا شيء يلعب في داخلها. كم من الخواء العاطفي يهوي على فراغها. كم من الريح الصفراء تصفر في دماغها. كم من الرعب في حجرتي عينيها...

بائسة هي الأنثى السورية... فريسة الإحباط ونهش ذئابه أكثر.

هناك أنثى الاعتقال، والاختطاف، والتهجير؟ هناك أنثى قوية ساهمت وصنعتْ وضحّتْ؟ نعم... لكننا جميعا سنكون قادرين على التصريح بخيباتنا وانكساراتنا ومعاناتنا أكثر مما يتاح لها. سوف تبقى هي معتقلةَ الصمت، مهجّرةً في برودة ثقافتنا الفحولية، مختطفةً من عصابةِ العقل الأعمى.

علينا أن نصغي إلى بكاء فستانها المهجور، إلى نحيب الصمت في مراياها التي هجرتها نشوة الصورة، إلى دموع أحذيتها المنسية في خزائن الغبار. إلى نعيق غراب الروح بعد حطام حلم العشق لدى الآلاف المؤلّفة منهنّ. علينا أن نصمت وهنّ يختفين تحت أغطيتهنّ في الليل أو في النهار، يقفن على أنقاض أحلامهنّ في العمل، في الحياة، في الاستقرار، في معنى التحرر الحقيقي. علينا أن نفسح فضاءً لانهائياً لأصواتهنّ المبحوحة، لحفيف أرواحهنّ المعتلّة، لرتابة إيقاع الوجود في خيالهنّ المبعثر أكثر مما كان مبعثراً.

لا شكّ أن المأساة شاملة ولا تعرف حدوداً ولا ترحم أحداً، ولكن كما هي الأنثى في ثقافتنا: الصوت المهمّش المخلوع، بينما كنا أكثر حركةً، ولو كانت زائفةً، منها.

حطام الأنثى السورية ليس كمثله حطام. كلنا محطمون نعم، وحطامها بئرٌ تنحفر أعمق فأعمق، لأنّ مرضنا نحن أننا (متفوقون) عليها حتى في بناء الحطام، بل قد نطالبها بأن تساعدنا في بناء حطامنا، بينما نحن ندير ظهورنا لها... ونتركها محطمةَ الحطام.

في الداخل والخارج يتخذونها – في أيام السلم فكيف في أيام المجزرة الكبرى؟ - أداة لتمرير خطاب السلطة الشخصية والاجتماعية. فهي معيار التضخم في أنا الرجل، وهي ميزان الشرف، ويسوقونها رغم ذلك إلى معاقل الدعارة لينهشوا كرامتها ثم يشتموها بعد أن يقضوا منا أوطاراً.

في الداخل والخارج، في النص وخارج النص، تتحول الأنثى السورية إلى ثقلٍ باهظ على نفسها، لا يجد له سماسرة الحرب والسلاح والأخلاق للتخفيف عنه، غيرَ إسقاطها كلها في الحفرة ودعس روحها والتشفي منها وكأنها المسؤول عن كل ما يحدث في التاريخ من كوارث طبيعية وغير طبيعية.

الأنثى السورية: عذابٌ مستقلّ داخل العذاب الشامل. ألمٌ مطلقٌ داخل الألم. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".