محمد علاء الدين يكتب: السلفي المنتظر

ظهر السلفي في مسلسل عادل إمام، فثارت ثائرة الإسلاميين.

صحيح أن الأمر لم يختلف عن صورة السلفيين المألوفة في مئات من الأعمال الدرامية قبل ذلك، لاسيما في فترة التسعينيات، في أعمال عادل إمام مع وحيد حامد ولينين الرملي، لكن رد الفعل هذه المرة اختلف تمامًا.

من الناحية الإيجابية، لم يستمر تدجين الجماهير قليلا لقبول مروية السلطة في تبديها الفني، ومنحت وسائل التواصل الاجتماعي مزيدًا من الجرأة للتعبير عن وعي بديل، سواء من السلفيين الذين يعترضون على تشويه صورة السلفي في الأعمال الفنية، أو، وهو الأهم والأجمل، من الشباب المدني أو العلماني ردا على غضب السلفيين؛ جاؤوا بصورة لسلفي مبتسم، وتحت ذلك مجموعة من آرائه التي تكفي تماما لوصفها بالعنصرية والتعصب والتحريض على العنف، أي بالخراء في وصف مختصر، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. إنهم يقولون: السفاح البسوم، الوحش رقيق الحاشية، المتعصب بالغ اللطافة.

الناحية السلبية هي في هؤلاء البلاستيكيون، في السلطة أو في الفن، لا تكمن فقط في إعادة تدوير معالجات استخدموها هم أنفسهم منذ ما يقارب العشرين عامًا، وهي مصيبة في حد ذاتها. ولكن في هذا التصوير الخشبي، الذي يأخذ من الدراما الإغريقية أسوأ عناصرها، وهي التعبير عن أفكار وليس شخصيات، ثم المضي في تصويرها ككائنات كارتونية كريهة، تعبيرًا عن "موقف نقدي" تجاهها، وصولا إلى "تطهر" في النهاية حيث "يعاقب الاشرار".

الموضوع في عمقه يجافي الفن في رفعته وحساسيته، يقول تولستوي نصيحة ذهبية  "اكتب شخصياتك الكريهة بحب". ما يقصده الروائي الكبير هو أن التناول بلا كراهية يجعلك ترى ماهية الشخصية، ما الذي أدى بها لكهذا اقتناعات، قادتها لاختيارات، ناولتها لمصائر أو لطف بها القدر في محطة أو اثنتين. يذكرني الموضوع بما قاله اورهان باموق مرة في حواره للباريس ريفيو عن غضب العلمانيين منه، قال باختصار "لقد صورتهم كبشر، واغضبهم ذلك".

هل يأبه فنانو البلاستيك في مصر أو مثقفو القرن الثامن عشر في تركيا بمثل هذا؟! لا طبعا، والأسوأ، هم سيدعون أن هذا "فن"، وسيدعون أن هذا "فكر". سيشمخون باعتبار الفن فكر يقوم على التربية، ثم ينتهون إلى وصفهم الذاتي لأنفسهم، وسام فخارهم المحبب، "فرسان التنوير"، التنوير الذي هو في عمقه تكفير، هذا العمق الذي قطعه سيد قطب، عقب رحلة مزلزلة إلى أمريكا، فلم يعد صعبًا عليه أن يقلب القناعات والنهايات، فالسياق والطريق واحد.

الاسوأ أن يقرأ هذا أحدهم ثم يقول لك، وهل تعتقد أن أمثال هؤلاء يأبهون بما تكتبه أساسا؟! صحيح سمة من سمات السلطة الفنية والثقافية أن تكون خاضعة للسلطة السياسية، باعتبارها من صنعتها من الأساس، باعتبارها من احتضنت الموهبة وحولتها لصنم لا يأتيه الباطل، جبلتها على صورتها، سلطة فعالة لما تريد ولا تساءل عما تفعل. صحيح، صحيح هذا، ولكن هل تعتقد أنه يمكن مقارنة الفنانين الذين زينوا جدران سلطة الفاتيكان، بمثل هؤلاء؟! سيعدل أحدهم سؤاله ليقول هل سيفهمون ما تكتبه أساسا؟!

ثم نسائل أنفسنا: ما الذي قاد تركيا لحكم مثل هذا، ثم نسائل أنفسنا عما قادنا لواقع وضيع مثل هذا في مصر.

على العموم، تمضي الأيام ونحن في انتظار سلفي منتظر، له قناعاته التي لن يحرض على العنف في سبيلها. سلفي يدعنا في حالنا وندعه في حاله. ولكن كيف؟ وفرسان التنوير يحلمون بسلفي منتظر يقول لهم إن العالم جاء صدفة، وإن فرنسا أجدع ناس، سيحتضنونه ويشيدون به، وسيقولون هذا هو "السلفي" المثال.

أظن أحيانا أننا نحن من في السرداب.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".