ريم تكريتي - ورقة أمام وجه صحفية

ريم تكريتي تكتب: حين يفقد الشعب ثقته بالإعلام

كنت في سنتي الثالثة بكلية الإعلام، حين اتصلت إحدى الخاطبات بأمي، لتخبرها عن رغبتها بزياتنا لرؤيتي، بعد أن علمت أنني أملك المؤهلات التي تناسب ابنها الشاب، كوني دمشقية، من عائلة محافظة، سمعة عائلية جيدة حسب تعبيرها!

 لكن سرعان ما تبدد اندفاعها ذاك، بعد أن علمت أنني أدرس الإعلام، وأود أن أصبح صحفية، لتنهي المكالمة على عجل دون النهايات المعتادة، وقالت بفظاظة ظننتها مضحكة "شو بدكن بوجع هالراس!"

لم أنزعج من الموضوع بقدر ما كان مضحكاً بالنسبة لي، لا سيما أنها ليست الخاطبة الأولى التي تنسحب حين تعلم أنني التحقت بكلية الإعلام.

لطالما أردت خلال تقديمي الشهادة الثانوية أن أدرس الأدب العربي، إلى أن وجدت نفسي بعد صدور النتائج أمام سؤال واحد:"ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟" وليس "ماذا تريدين أن تدرسي في الجامعة؟"

الأدب العربي؟ .. ربما سأصبح مدرّسة! تخليت عن الفكرة مدفوعة بقناعة أنني لا أجيد التدريس، وإنما أريد بطريقة ما إصلاح المجتمع.

وكان اختياري فرع الإعلام. حين أخبرت والديّ برغبتي في دخول كلية الإعلام، واجهت بعض الانتقادات، وسمعت تلك الجملة التي عرفت مسبقاً أنني سأسمعها: "ماعنا بنات تفوت إعلام"، وجملة أخرى "شو فوتك بهالجو الوسخ!"

لم استغرق الكثير من الوقت لأتمكن من إقناع أسرتي -التي تعتبر من الأسر المحافظة في دمشق- بأهمية دخولي هذا الفرع، مدفوعة بأمثلة من حياتهم اليومية، أذكر نفسي وأنا أقول لهم غاضبة: "لماذا تصرون على أن تكونوا المتلقين؟ ولا تريدون منا أن نصبح مرسلين؟".

وهكذا دخلت الكلية، لأواجه بعدها صوراً نمطية مجحفة بحق الصحفيين في عيون مجتمعنا.

حين علمت جدتي أنني دخلت "فرع الصحافة" في الجامعة حسب تعبيرها، رمقتني باستغراب وقالت: "يعني رح تصيري مذيعة؟" ربما هو أكثر سؤال  سيطرح عليك بعد دخولك هذا الفرع. ابتسمت لها قائلة: "ممكن! ليش لاء!"

حاولت دائماً أن أقنع جميع من حولي بأهمية الإعلام في وقتنا الحالي، وتأثيره على مجتمعنا، وأن مجالاته واسعة لا تقتصر على أن تظهر كمذيع على التلفاز، وأنني هنا لمساعدتهم لا لفضحهم كما كان يقال لي حين يتكملون حول أي موضوع اجتماعي أمامي ويتغامزون!.

مرت مدة قصيرة، قبل أن أكتشف أن نظرة مجتمعنا لنا كصحفيين كانت تتسم بانعدام الثقة.

أنت كصحفي، عليك حتى تبدأ بكتابة أي شيء عن أي قضية وأن تكسب ثقة الناس وثقة مجتمعك، وكانت تلك الثقة في مجتمعنا شبه معدومة للأسف، وربما ساهمت الظروف التي حلت على البلاد في زيادة الفجوة بين الصحفيين والمجتمع بدافع الخوف.

أذكر أنني في إحدى المرات أردت تصوير بائع "ناعم ومعروك" "خبز خاص" في رمضان  بأحد أحياء دمشق الشعبية، حين سألته: "هل يمكنني التصوير؟" وافق على مضض، بعد أن أخبرته أنني صحفية وما أن ضغطت زر التسجيل، وسألته عن علاقة الناعم والمعروك بشهر رمضان؟

قال له جاره:"إياك أن تتكلم، هي بتعبينا!". "أي تورطنا وتكون سببا في اعتقالنا".

حسناً أنا لم أسألك عن علاقة الأمن القومي بالمخابرات، وإنما سؤالي عن معروك رمضان لا أكثر!.

من المفروض في أي مجتمع، أن يخرج الصحفي من رحم معاناة الشعب، يحكي أوجاعهم وألمهم، وبالتالي هدفه هو حمايتهم ومساعدتهم، لا أن يعرضهم للخطر، وحين يشعر الناس بأن الصحفي مصدر خطرعليهم فهناك مشكلة ما.

إما بسبب المجتمع الذي اعتاد على إعلام بعيد كل البعد عن واقعه، فأصبحت الثقة بينه وبين الكاميرا معدومة، أو بسبب الإعلامي الذي فقد أساليب إقناعه الناس بأهمية ما يصنع لهم، وأنه قبل أن يكتب أو ينتج مادة إعلامية فهو يساهم بطريقة أو بأخرى في تنمية المجتمع والرفع من مستواه، وهو صلة الوصل بين ما يخافه الشعب والصحفي على سواء، وهي السلطة الحاكمة!؟

تتالت معي المواقف التي تظهر لي صعوبة مهنتي، ووجدت نفسي غير مرحب بي في كثير من الأماكن إلا فيما ندر، شأني بذلك شأن العديد من أصدقائي الصحفيين العاملين في سوريا.

 ليس لأننا نعمل في مجال الصحافة في بلد صنف الأخطرعلى الصحفيين فقط، وليس لأننا نحتاج إلى مئة موافقة ووثيقة وبطاقة قبل أن نرفع الكاميرا، وإنما لأننا نواجه مجتمعاً فقد ثقته بالسلطة الرابعة كما فقدها ببقية السلطات.

ابتسمت منذ يومين، حين قرأت تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" والذي أشار إلى أن سورية احتلت المرتبة 177 في نسخة 2016 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة.

وقالت المنظمة: "لا تزال سورية (المركز 177 عالمياً) البلد الأكثر مأساوية منذ ما يقرب من أربع سنوات، حيث يئن الصحفيون تحت وطأة الانتهاكات الخطيرة التي تصل حد الهمجية في بعض الحالات".

في الحقيقة كل تلك التصنيفات والأرقام والتقارير لا تهمني، بقدر ما تهمني نظرة المجتمع إلينا كصحفيين، تلك النظرة التي يشوبها الكثير من التشكيك، والتي وصلت إلى درجة اعتبار مصطلح "حكي جرايد" دلالةً على أي شيء غير دقيق أو غير صادق.

من الذي أفقد الصحفي مصداقيته في المجتمع؟ ومن الذي جعل مذيعي القنوات في الشارع يُرفضون من عشرة أشخاص على الأقل قبل أن يرضى أحدٌ أن يتحدث أمام الكاميرا؟ ومن الذي جعلنا نبدو كمخبرين حين نتحدث إلى أي شخص!

تنتشر الصور النمطية للصحفي ومهمته في مجتمعنا من تجربة وراء أخرى، من مقالة وبرنامج، وإذاعة، وأي أحد يمارس هذه المهنة في المجتمع سيؤثر على الصورة العامة للإعلام في أعين الناس، وحين تنشر صورة لشخص لم تأخذ إذنه قبل نشرها، أو تستخدم مقابلة صحفية له بغير موضعها الذي سألت به، وحين تقوم باستغلال جهل  الناس من أجل برنامج هزلي دون علمهم، فأنت تساهم بتشكيل الصورة النمطية للإعلام من وجهة نظر الشعب، وتساهم في زعزعة ثقة الناس في "السلطة الرابعة".

في النهاية لا يمكنني أن أنكر مساهمة مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية في تحسين صورة الصحفي في المجتمع بعض الشيء، حيث أصبح لدى الناس ثقافة إعلامية لا بأس بها، حتى أن الكثير منهم أصبح يتفاعل معك بمرح، ويجيب على أسئلتك بكل رحابة صدر، بعد أن كانت تلك المهمة من أصعب ما نواجه، ويسألك ذاك السؤال "بدك تنشرها عالفيسبوك؟".

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".