anp - المستشار يحيى الدكروري يترأس جلسة المحكمة التي نطقت بمصرية صنافير وتيران - 21 يونيو 2016

محمد علاء الدين يكتب: أرسطو الجزر المصرية

حكمت المحكمة، ولو أنها في درجة أولى، وقالت إن الجزيرتين مصريتان.

وهنا انتابت الموالين للدولة المصرية حالة من الهياج، تضيف إلى الشيزوفرينيا شيزوفرينيا مضاعفة، وصعد المنطق الأرسطي الصوري الذي يتبعه عديد من المصريين إلى ذرى جديدة: فالقضية المنطقية التي تقول إن الجيش المصري بيت الوطنية، فمن هو خارج عن الجيش ليس بوطني بالطبع، تتسق مع القضية الأخرى التي تقول إن الإخوان ضد السيسي. فكل من هو ضد السيسي إخوان إذن، فكاتب هذه السطور إخوان. يتسلى مؤيدو الرئيس بمثل هكذا منطق قبل أن تنفجر القنبلة في وجوههم: القضاء شامخ إذن فكل أحكامه منزهة، إذن فالجزيرتان مصريتان.

حالة من الضياع تستبد بالجماهير الغفيرة.

هذه، على العموم. ليست ظاهرة جديدة، فنحن كلنا نتذكر، أو أتمنى، العبارة الخالدة: انت شيوعي ياض؟!

هي ثورة الشك، حيث بات المصريون يرون الشيء وعكسه، سواء عن رصد صحيح لتناقض حقيقي، أو لما يفترضونه من اتساق صوري.

هنا برزت فجأة أنساق منطقية جديدة، مثل ما جاءت به إحدى مؤيدات السيسي المتحمسات، وأظن اسمها بوسي، لتقول إن القضاء إخواني الـ *اخخ (والكلمة المحذوفة هي سبة استخدمها المعارضون للنظام لوصف أحكام القضاء العبثية من قبل)، وبما أنه قضاء إخواني، إذن فهو يعطل أحكام الإعدام ضد الإخوان، إذن فالحكم باطل. أو، من ناحية أخرى، يدخلنا دهاقنة الدولة المصرية في نقاشات مطولة عن عدم حق القضاء الإداري في نظر أمور تتعلق بـ"حق السيادة"، ويرغي أحمد فتحي سرور ويزبد، ويتهم أحدهم الحكم بأنه  "سقطة قانونية"، ثم ينبري آخرون مثل هشام جنينة وطارق البشري (وهما ضلعان في الدولة المصرية، ولا يمكنهما إنكار ذلك)، ليقولا إن نقص الحكم لا يلغي مسوغاته وحيثياته، بل يمكن ذلك لعدم الاختصاص. بينما اكتفى مؤيد أريب، وحجة في فن التعامي، والمعروف باسم مصطفى بكري، بتأجيل إصدار كتابه عن سعودية تيران وصنافير ولو إلى حين. هو لاعب ماهر بلا شك.

السفسطائية، السفسطائية والمنطق الصوري معًا ضد البشر.

ثم يظهر من وسط الثوار شخص مذعور، يذكرنا بألا ننساق وراء أحكام القضاء في صالحنا في أول تقاض، وألا نتغنى بالقانون، لأنهم سينقضون الحكم مثلما حصل في حكم تصدير الغاز لإسرائيل في أيام حسني مبارك. ويندفع بعض أبناء الوطن من الثوار وراء هذا المنطق البديع بدوره.

ثم يعزل السيسي قضاة مجلس الدولة ويعين بدائل لهم، ويدفع بعض حسني النية بأن الموضوع له علاقة بالإجراءات الادارية والأقدمية، فنفتح نصوص القرارات الجديدة جميعها،  فنجد بعضها، البعيد عن التعيينات الجديدة في ذاتها، تعدل أقدمية أشخاص بعينهم، بحيث يتخطوا أشخاص بعينهم، وعندما يصعدون لسدة الكرسي، يفرد بعض الناس يدهم، من الخبثاء وليسوا من حسني النبي، ليقولوا "الاقدمية"، و"أعراف الدولة المصرية". المنطق الصوري، مجددًا.

هي ثورة الشك التي يداخلها الخلط ما بين وظيفية الأشياء وما بين مفهومنا عن الاتساق، فلو هاجم الثوار القضاء، وقالوا الكثير عن كونه قضاء منبطحًا في دولة مجرمة، وذلك صحيح، ثم يفاجئون بهذا الحكم. الاتساق هنا، شبيه منطق مؤيدي السيسي الصوري، لا يتخيل أن يكن هناك حكم في صالح "الصواب"، لأن القضاء دائما على خطأ، وهذا غير صحيح. تصدر في قضاء منبطح في دولة مجرمة مثل هذه الأحكام الجيدة. وظيفية القضاء سيئة جدا في دولة كهذه، نعم، ولكن مثل هذه الأشياء الجيدة تحدث، نزوة قاض، ضمير استفاق، دفوع قانونية لا يمكن الالتفاف عليها. مثل هذا يحدث. طيب أيمكن أن تكون حرب داخلية في الدولة المصرية؟ طبعا يجوز، هنا ينتفض بعض الثوريين ويتكلمون عن الحق والباطل، والبناء القذر، وكل هذا صحيح، ولكن هذا يعني أن هناك فائدة من ضربهم ببعض، أليس كذلك؟ هذا لا يجعل الأسود أبيض ولا الأبيض أسود، أليس كذلك؟

الإخوان؟ يا ساتر: لقد اتهموا المستشار الدكروري، من أصدر هذا الحكم، بكونه مشتركًا في تظاهرات 30 يونيو، وأنه من عائلة اشتهرت بموالاتها للنظام، وهو شخصيًا موالي للنظام. طيب، يجب علينا أن نسأل أنفسنا: وما دخل هذا بكونه حكمًا جيدًا؟! ربما يجادل أحدهم بأن الموضوع من باب ألا يحول المصريون الدكروري إلى إله من عجوة، والحق أنهم يفعلون ذلك عادة. طيب هناك فارق ما بين توضيح الصورة والهجوم، ما يفعلونه هو الهجوم الشرس على شخص تحمل أن يقول إن السيسي على خطأ. لماذا؟ هم لديهم منطقهم الصوري أيضًا: كل من نزل 30 يونيو ضد الإخوان، وكل من كان ضد الإخوان فهو فاسد، إذن فالدكروري فاسد.

هي ثورة الشك، حيث بات المصريون يرون الشيء وعكسه، سواء عن رصد صحيح لتناقض حقيقي، أو لما يفترضونه من اتساق صوري.

عامة، لقد قال السيسي إنه متأكد تمامًا وتمامًا هو متأكد من سعودية تيران وصنافير، وأنه قد سأل عتاولة الاستخبارات  والجيش وكلهم أكدوا له أنها ليست مصرية، وعلاوة على ذلك، فقد أكدت عليه السيدة الوالدة ألا يأخذ ما بين غيره.

إذن: القضاء على خطأ، القضاء على خطيئة!

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".