ANP - مهرجان الزي الليبي- طرابلس

فدوى بن عامر تكتب: ليبيا.. متى تمسكُ النساء بنصف السماء!

قد يكون من المنطقي القول إنهن لابد وأن يحزن نصف الرزق المنهمر من السماء، لكن الواقع لا يؤيد ذلك مطلقاً، والسبب بسيط للغاية وحقيقي جداً، فالبرغم من إمساكهن بنصف السماء، كما يقول المثل الصيني الشهير، إلا أنهن يقمن بذلك من وراء حجاب.. إنه سقف بلوري للنساء فقط وفوق رؤوسهن يصدّهن عن بلوغ الرزق الوفير الذي في السماء بعد أن كان يوماً لهن صرحاً ممرداً من قوارير تحت أقدامهن!

المقصود بمصطلح السقف البلوري أو الزجاجي، ذلك الحاجز الغير مرئي الذي من المتوقع اجتماعياً بلوغ المرأة العاملة خارج البيت له دونما اختراقه. ومن خصائص هذا السقف البلوري أنه غير قابل للكسر إلا نادراً، وظيفته الأساسية منع النساء من ارتقاء السلم الوظيفي لنهايته والوصول للمراكز السيادية والقيادية في القطاعات المختلفة كإدارة الشركات والبنوك ومجالس الإدارة والحكومات والدول. اللافت أن هذا الحديث ينطبق على وضع المرأة العاملة في معظم أرجاء العالم بما في ذلك الدول الغربية مع استثناء الدول الإسكندنافية.

في بعض الدول الغربية كبريطانيا والولايات المتحدة حيث نسبة النساء العاملات مساوية تقريباً للرجال على مستوى الوظائف الابتدائية، يتدرج كلاهما – الرجل والمرأة – غالباً بنفس الوتيرة على السلم الوظيفي، إلا أنه وفي مرحلة معينة ترتطم المرأة بالسقف البلوري وفي غالب الأحيان لا تستطيع ثقبه، فتتوقف مسيرة تقدمها الوظيفي بغضّ النظر عن قدراتها الفكرية والشخصية مما ينتج عنه تضاعف عدد الرجال في المناصب القيادية أضعافاً مضاعفة عدد النساء.

 والأمر أكثر ضراوة على المرأة في مجتمعاتنا العربية، حيث أن الارتطام بالسقف الزجاجي يكون أسرع لدنوه الشديد منها وانخفاضه كثيراً عنه في المجتمعات الغربية المتحضرة، ناهيك عن تحول طبيعته في ليبيا من بلوري جميل المظهر سيّء التأثير، إلى إسمنتي مسلح لاعتبارات أخرى شديدة الخصوصية الليبية.

وتدفعني نفسي للتساؤل عن ما الذي يجعل بعض النساء يخترقن هذا السقف البلوري دوناً عن الأخريات. أهي الكفاءة أو المكانة الاجتماعية أو التخّلق بأخلاق الرجل، أعني تقليده في تعامله بتقمص فكره الأبوي في القيادة والإمارة!؟

أما عن الأسباب لوجود السقف البلوري كظاهرة عالمية ودنوه الشديد في الدول العربية فعديدة، لعل أولها وأهمها تسيّد المجتمعات الذكورية إلى جانب عوامل ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وقد تتباين الأسباب من بلد عربي لآخر، إلا أنها كلها تندرج تقريباً تحت نفس المسميات.

وبشيء من التفصيل نجد أن الأسباب متشابكة، بحيث يصعب فصلها كل على حدة، فمثلاً الأسباب السياسية، هي بالدرجة الأولى لعزل أكبر عدد ممكن من الناس عن التفكير بالمنافسة على المراكز السيادية، فتعمد الأنظمة لتوظيف المؤسسات الدينية وتشجيعها لتسويق آراء فقهية تخدم ذات المصلحة، كالترويج مثلاً لأحاديث نبوية شريفة مثل "ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، إلى جانب التعرّض المستمر والمملّ لمواضيع بعينها مثل عمل المرأة ضمن القيود الشرعية كمنع الاختلاط والخلوة والسفر بدون محرم إلى غير ذلك من الاجتهادات الموروثة والتي لا غرض لها إلا تطويق عنق المرأة وإبعادها عن المنافسة على المناصب السيادية وحصرها في الوظائف الخدمية البسيطة.

وليس خافياً تأثير الفكر الديني على التقاليد والأعراف الاجتماعية داخل المجتمعات العربية، والتي في جوهرها تحمل الكثير من التمييز ضد المرأة وترسيخ دونيتها وحبس طموحها بحيث لا تتجاوز وظيفتها البيولوجية دون النظر لأي اعتبارات أخرى، وخصوصاً تلك التي من شأنها إعلاء دورها للتأثير الذي قد تحدثه لتطوير المجتمع فيما لو وظّفت إمكانياتها العقلية والنفسية.  

ويبقى السقف البلوري للقوارير لا يُرى بالعين المجردة لكن وجوده ظاهر لكل منصف. وأما طرق التعامل معه - ولا أقول التخلص منه- فالحديث فيه طويل للغاية، حيث أن هناك عشرات بل مئات الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع بالتفصيل. وبلمحة سريعة أقول إن المفتاح يكون في إحداث تغيير فكري عام وذلك بالتخلص من بعض من الموروث الاجتماعي التقليدي، كأن تتبنى الحكومات استراتيجيات جادة أهمها تطوير المنظومة التعليمية وفتح المجال مثلاً أمام الطلاب من الذكور والإناث لدراسة المواد التي تتناول المساواة الجندرية والأساليب القيادية عند الرجل والمرأة والفروقات بينهما، كذلك التركيز على المساهمة الإيجابية للمرأة وهي في المراكز الحساسة والسيادية وتأثير ذلك على الإنتاج و الأرباح للشركات والبنوك والمؤسسات المختلفة.

وإن كانت هناك بعض جدية في المضي قدماً، وإلى أن يتم إبعاد الخطاب الديني عن المشهد السياسي، فربما يتعين إذن توجيهه بما يخدم الغاية طالما الرغبة في السيطرة على أفراد المجتمع لا تزال تتم عبر تصويب رجال الدين بما يخدم الأغراض السياسية للأنظمة الحاكمة!.

* هذه المادة نشرت لأول مرة بتاريخ 2016-06-26
 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".