ANP - مواطنة تحمل أعلام الاتحاد الأوروبي - ليل - شمال فرنسا - 25 يونيو 2016

وائل عباس يكتب: معسكر 30 سونيا يفوز ببريطانيا العظمى

في انترفيو أجرته القناة الرابعة مع بعض البريطانيين من ذوي الشعر الأبيض حول استفتاء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، كانت الإجابات كالتالي: الأمر كله عن الهجرة، ليس التجارة ولا أوروبا ولا شيء من هذا القبيل. نريد أن نمنع المسلمين من القدوم إلى هذا البلد ببساطة. نحن نرحب بالأوروبيين، لكن الأفارقة والسوريين والعراقيين لا نرحب بهم، لقد حارب أجدادنا من أجل تحرير بريطانيا والآن حان الوقت لنتحرر مرة أخرى. الأوروبيون يصرفون نقود دافعي الضرائب على الفنون والأشياء المشابهة، ويتدخلون في بلادنا واقتصادها. أنا سعيدة أنني بريطانية وما فعلناه عمل وطني، ولقد عادت بريطانيا عظيمة مرة أخرى.
 
تشير الإحصاءات إلى أن 75% من الشباب البريطاني صوت من أجل البقاء مع أوروبا، لكن رأي الكبار كان مختلفا وهو الرأي الذي انتصر في النهاية. وبمجرد إعلان النتائج، انخفض سعر الجنيه الاسترليني بمقدار العشر فجأة وانهارت البورصة. ناس كبار وبركة يعني زي عندنا تمام.
"التخوف غير المنطقي من هجرة المسلمين إلى بريطانيا هو نفسه التخوف من حكم الإخوان المسلمين في مصر، وأنا هنا لا أقول إن حكم الإخوان كان جيدا، بل إن الإخوان أتوا للحكم بالديماجوجية هم أيضا"
 
التشابهات بين كل دول العالم غريبة ومدهشة فعلا، فكلام السيدة الكبيرة عن أن بريطانيا عادت عظيمة مرة أخرى هو نفس كلام حملة دونالد ترامب الانتخابية عن عودة أمريكا لعظمتها مرة أخرى، ودونالد ترامب فعلا يربط عظمة أمريكا بطرد المسلمين ومنعهم من دخول أمريكا، ومنع الهجرة عموما رغم أن الهجرة هي ما بنى أمريكا وجاءت بأمثاله. تصويت الكبار للانفصال والصغار للبقاء مع أوروبا يشبه تماما مقاطعة الشباب لانتخابات السيسي وبرلمان السيسي، بينما نزل الكبار كيدا في الشباب ورقصوا أمام اللجان في أرذل العمر على أنغام تسلم الأيادي ووضعوا البيادة على رؤوسهم، ثم ما حدث بعد وصول السيسي وبرلمان السيسي هو انهيار لا يتوقف للعملة المصرية تماما كما حدث في انجلترا مع الفارق.
 
البقاء مع أوروبا كانت له مزايا لاسكوتلاندا وإيرلندا المضطهدين في كل الأوجه من بريطانيا، والذين يعتبرون درجة ثانية. لكن الانفصال الذي رفضوه في تصويتهم يفقدهم تلك المزايا، ولذلك يوجد توجه كبير في اسكتلندا وايرلندا للانفصال عن بريطانيا العظمى لتصبح بريطانيا الصغرى، وهو ما يعكس تهافت ما قالته تلك المرأة الانجليزية العجوز عن عودة عظمة بريطانيا ومجدها المزعوم. وربما يصل بوريس عبد الفتاح جونسون عمدة لندن السابق، الذي يشبه دونالد ترامب شكلا وموضوعا، يصل لرئاسة الوزراء ويتنازل عن جزر سكوتلندا وإيرلندا لأوروبا مع دعاية في وسائل الإعلام عن تلك الخطوة العظيمة وأهميتها لبريطانيا العظمى، ويقوم بعمل ترسيم جديد للحدود، ويحبس مالك عدلي البريطاني وعمرو بدر الإنجليزي لما يعترضوا، ويقول ايه يعني البورصة تقع والاسترليني ينزل، هانجوع؟ مانجوع! المهم بريطانيا تبقى كدا.
 
انتصرت الديماجوجية في بريطانيا العظمى، نفس الديماجوجية التي أوصلت هتلر للحكم، ولهذا السبب فالدستور الألماني لا يسمح بالاستفتاءات الشعبية، ولا أعرف إن كان ما فعلته ألمانيا سليما أم لا، لكنهم حاولوا تجنب الديماجوجية بالطريقة التي استطاعوها. والديماجوجية أوصلت مرسي للحكم واوصلت السيسي للحكم في مصر أيضا والاسم ديمقراطية. طبعا سيسألني البعض هل أنت ضد الديمقراطية والانتخابات والاستفتاءات الشعبية؟ الإجابة تجدونها في مقالي السابق: الديمقراطية المفترى عليها والمفترية علينا.
 
إنه صراع الأجيال، بين متوهمي المجد القديم من ذوي الشعر الأبيض، وبين الأجيال الجديدة الثائرة التي تريد الحرية والحقوق للجميع. أجيال جديدة ليس لديها أبيض وأسود ومسلم ومسيحي وغني وفقير، ذاقت طعم الحرية والثورة والتمرد، أجيال ميدان التحرير وشارع بورقيبة وميدان اللؤلؤة وأوكيوباي وول ستريت، بينما هناك أجيال تميل إلى ماض لم يكن أبدا موجودا، تخاف من التغيير والثورة وتريد فقط الاستقرار في ما بقي لهم من عمر، وليس مستقبل ملك لأجيال جديدة تريد المستقبل أفضل، أنانية أو خرف أو سمها كما تشاء، إلا من رحم ربي. فالتعميم خطيئة طبعا ولا أريد أن أكون ممن يمارسون التمييز ضد كبار السن وأنا واحد منهم بعد أن تخطيت الأربعين.
 
التخوف غير المنطقي من هجرة المسلمين إلى بريطانيا هو نفسه التخوف من حكم الإخوان المسلمين في مصر، وأنا هنا لا أقول إن حكم الإخوان كان جيدا، بل إن الإخوان أتوا للحكم بالديماجوجية هم أيضا مثل هتلر كما سبق وأسلفت، لكن فقط إزاحة الإخوان وإحلالهم بالعسكر وليس بالثورة، هي الطريقة التي أعترض عليها. وهذا الإحلال العسكري أو الانقلاب هو الذي قادنا لما نحن فيه الآن بعد ثورة 30 سونيا المخابراتية المجيدة، لا أتوقع نفس مصيرنا لبريطانيا فهي دولة كبيرة وقوية واقتصادها متماسك قائم على موارد حقيقية وليس تبرعات تحيا ماسر وشحاتة الرز من الخليج، وليست دولة فقيرة نامية مهضوم حقوق الفقراء والأقليات فيها، لكن مؤشر الهبوط الحاد للجنيه الاسترليني وانهيار البورصة مؤشرين هامين، وخلينا نتفرج.
 
عموما أنا شايف أن  الكوكب بينهار كله، يعني ما نزعلش أن عندنا السيسي وصل للحكم، مش لوحدنا، المصائب لا تأتي فرادا، معسكر 30 سونيا كسب في انجلترا، لسه ترامب بقى أول ما يكسب في أمريكا هاروح اشتري تربة بالتقسيط استعدادا لمغادرة هذا الكوكب الحزين.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".