AP - لاجئون سوريون في لبنان

عامر إلياس يكتب: ماذا بقي للمواطن السوري؟

في أحد تقاريرها الصادرة نهاية العام الماضي، قالت الأمم المتّحدة إن نسبة المهاجرين من فئة عمرية واحدة ومن نزاع واحد، هي الأكبر في سورية على مر تاريخ الصراعات الدولية. إحصائية لها وقعها وتعكس بعض تفاصيل الحالة السورية المتردية التي تكالب عليها العالم أجمع، والذي لا يمكن إغفال البعد الداخلي فيها وإن كان حاضراً على استحياء خلال السنتين الأخيرتين.

إن نسب النزوح واللجوء التي تركّز عليها التقارير الدولية وتقارير المنظمات غير الحكومية يومياً وتتالي الأرقام، لا تمنع من الإشارة إلى من بقي داخل البلاد وهم نسبة كبيرة من السكان لا يمكن إسقاطها من الحسابات امام الملايين التي نراها يومياً كإحصاءات لعدد المهاجرين والقارين واللاجئين، وكأنه لم يبق في سورية من ملايينها ال 24 سوى مئات الآلاف. في سورية شعب بقي كلَّ لأسبابه الذاتية، فمنهم من لا يريد الخروج من بلاده، ومنهم من لا تتوفر لديه الإمكانيات للخروج, بالمحصلة فإن في تاريخ العالم أجمع لم يلجا شعب بأكمله خارج النطاق الجغرافي الذي كان يقطنه على مر التاريخ.

لا يمر يوم إلا ويكافأ من بقي داخل البلاد، سواء عبر استمرار الحصار الدولي الخانق على السوريين شعباً وليس نخباً، وهو ما أثبتته التجربة العراقية التي دمّرت الدولة وأفقرت الشعب ولم تؤثر على نخبه، وليس انتهاءً بالإدارة الداخلية غير المسؤولة لمجريات الحرب التي تخاض على الأرض السورية، ويخوضها السوريون بين بعضهم البعض، هم وقود الجميع دون استثناء. وفي هذا السياق برزت زيادة أسعار المحروقات الأخيرة التي قلبت الطاولة على رأس من بقي، وظهرت علامات استفهام متعددة حول القرار من الكتل المؤيدة للدولة السورية قبل الكتل التي تعارضها، أو حتى الكتلة الصامتة التي خرجت عن صمتها هي الأخرى. فكيف يتم رفع المحروقات بنسبة وسطية تتجاوز ال 35%، ما هو المبرر، وكيف سيستطيع المواطن السوري البقاء حيّاً؟ ما مدى قانونية القرار الذي اتخذته حكومة الحلقي في سورية وهي حكومة تسيير أعمال؟ أليس القرار مخالفاً للدستور المعمول به حالياً؟ ما هي آلية دراسة قرار من هذا النوع، وكيف يتم تبرير رفع أسعار المحروقات، وصل البنزين إلى 40% في الوقت الذي تحسّنت فيه قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي بنسبة 30%؟

الرئيس الأميركي بارك أوباما، وقبل تسعة أشهر من انتهاء ولايته، لم يستطع أن يتّخذ قراراً بتعيين قاضٍ في المحكمة العليا، كونه دخل في مرحلة الانتخابات الرئاسية ويعتبر مسيّراً للأعمال، مع أن العرف في الولايات المتّحدة يقول إن الرئيس يصبح بحكم مسيّر الأعمال وغير قادر على اتخاذ قرارات كبرى نهاية أيلول القادم أي قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية وليس قبل تسعة أشهر. ومع ذلك ساهم الاستقطاب القائم داخل الولايات المتّحدة والسيطرة الجمهورية على الكونغرس، في تكبيل قدرة الرئيس الأميركي على اتّخاذ القرار، حتى ردود الفعل على العملية الإرهابية في أورلاندو كانت تحت مجهر وسائل الإعلام الدولية والأميركية من زاوية المرشَحين غير الرسميين وليس رد فعل الرئيس باراك أوباما. فكيف تتخذ الحكومة السورية مثل هكذا قرار حسّاس؟ وإن كان البنزين "رفاهية"، وهي كلمة يدرك السوريون قبل غيرهم معناها، فهل المازوت رفاهية؟ ألا يترتب على زيادته رفع كامل الكلف المرتبطة به من وسائل النقل إلى كلف العملية الانتاجية وبالتالي تتأثر الدورة الاقتصادية كاملةً بهذا الأمر.

لا موارد في الموازنة، والبلاد تتعرّض لحرب كونية لا يمكن التغاضي عنها أو المرور عليها مرور الكرام، ولا حتّى تبريرها، بعد أكثر من خمس سنوات، بمعادلة " الفعل ورد الفعل" والتي تبرر للطرف الآخر، الكل يعتبر نفسه الطرف الآخر، فعل تدمير المسؤول الأول عن الفعل والحدث في سورية. وهذا ما يجعل من عملية تدمير البلاد وبناها التحتية التي بناها السوريون، كل السوريين، مسألةً خاضعة لمعادلة "البادي أظلم"، مع أن الخاسر هو من يدّعي مقارعة الظلم ومحاربة الفساد والنزوع لإقامة دولة ديمقراطية تعددية مدنية، لكن ليست علمانية حفاظاً على ديمومة معادلة الأكثرية والأقلية التي أسس لها العثماني بالتعاون مع الامبراطوريات الغربية الاستعمارية على حدود الدولة العليّة.

دعوةٌ إلى اعتصام أمام مجلس الشعب، حصل ولو على استحياء، مطالبات للمجلس بأخذ دوره الدستوري ومكاشفة الحكومة بخطئها الكارثي، وجدل حول دستورية القرار من عدمه، مؤشرات على توجّه الكتلة المؤيدة قبل غيرها لتجاوز الخط الأحمر. فهل تؤخذ هذه الأمور بالحسبان؟ هل تواكب النخب السياسية المتواجدة في البلاد حركة الشارع؟ وهل تقرأ القوانين الناظمة لعمل المؤسسات الدستورية أم أن الأمر لا يستأهل تعبها؟ هل تتم مراجعة القرارات الأخيرة حفاظاً على ما تبقى من بشر داخل البلاد، أم أن باب الهجرة واللجوء والنزوح مناسب لكافة الأطراف في لعبة السياسة؟

بين الكامب ومجازفة الوصول إليه والعيش تحت الهاون والقصف، تحرق المحروقات ما تبقى من كرامة وصمود "للشعب العنيد" في سورية.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".