anp - محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي - 18 يونيو 2016

أحمد الفخراني يكتب: دولة الابتزاز بالذنب

والله في الأعالي غالب على أمره. لكنه تركنا للأسافل، يقهرون الأحياء باسم الموتى. ويجعلوننا موتى باسم الحياة كما يرون ويشتهون. يستلهمون منه فكرة الذنب والعقاب، ويجلدون ظهورنا كل يوم بعقد لا تلين، بسياط النار لا لهدف إلا الخضوع وطاعة أولي الأمر لا الله صاحب الأمر. الأسافل قد يرتدون زي الزعيم في السلطة، والشيخ في الجامع والقس في الكنيسة والمعلم في المدرسة والأب في العائلة والعائلة في المجتمع والقضاة من الثوار، مُخَوّنو الجميع والخارجين عن "طهارتهم" ورؤاهم، والمواطن في الشارع الذي يرتدي زي المحتسب لمن أراد، ويغض الطرف عن الظلم البين من أولي الأمر. الأسافل قادرون على كل شيء، الأسافل لا ينامون الليل، كي يخضعونك بالذنب. الأسافل مجتهدون ولا يدركون أن الله غالب على أمره.

نائب رئيس حي العجوزة الذي نفذ حملة على المقاهي للقبض على المفطرين، يملك نظرة متكبر، هزم في كل شيء حتى في ارضاء ربه، يبدو في الفيديو القصير والمقبض وهو ينظر إلى المفطرين التعسين المحملين أصلا بكآبة الذنب وعدم القدرة على إتيان فرض صعب في طقس كئيب يشبه مصر الملوثة بتعالي العارفين بالمسار الوحيد للحياة، كمن يقايض الله، لو امتلك زمام الأمر والقدرة ربما كتب عقدا فوريا يلزم الرب بإدخاله الجنة.

الأسافل بلا موهبة سوى الضبط والحسبة، لعبة التخوين والتكفير التي تتشابه لدى أبناء الفكرة الواحدة: جنة عدن أو الجحيم، فلا خيار ثالث بين قديس وشيطان، يتساوى في ذلك الأب الداعي إلى تأكيد الديكتاتورية والابن الداعي إلى الثورة عليها. لا يملك الموهبة متسلط على خيارات الخلق. الأسافل لا يملكون رحابة الفيض، هم فقط جسور مقطوعة بين أبراج معزولة وبائسة. أسوأ البشر: قضاة بلا محكمة ولا رحمة ولا فهم ولا استئناف ولا عدل.

عندما قاوم فلول مبارك الثورة، لم يجدوا سوى الابتزاز بذنب قتل الأب. عندما وصل الإخوان إلى السلطة وعندما خرجوا منها لم يجدوا سوى الابتزاز بذنب الدين، عندما وصل السيسي إلى الحكم، عندما قتل واعتقل وخطف وشرد لم يجد إلا الابتزاز بذنب الخروج وإعادة المنفلتين إلى الجحور.

في إعلانات رمضان، ما الذي يقدمه نموذج "حلق" الحاجة زينب التي لا تملك سواه للتبرع به لصندوق تحيا مصر، إلا مزيدا من الابتزاز بالذنب لمن يملك أكثر من الحلق، رغم أن الدولة في الأساس ترفع الدعم وتحول ضرائبنا إلى سجون وتقتص من الثائرين عليها بأتاوة "الكفالات" وتدعم القضاة والشرطة برواتب ومكافآت دون أن تقيم العدل أو الأمن. في إعلانات وزارة الصناعة التي تلوم المواطن على استخدام المنتج الأجنبي، رغم سوء الصناعة المصرية لا تملك في حملتها سوى الضغط بالابتزاز بذنب" تفضيل الجودة" على "الفخر بالقومية المدعاة". في إعلانات ترشيد الكهرباء، لا يلام إلا المواطن، فاستهلاكه للكهرباء هو السبب الرئيسي لغلاء الأسعار، لا فشل الدولة في إدارة اقتصادها.

يقيم مجدي يعقوب صرحا حقيقيا ومحترفا لمعالجة أمراض القلب للأطفال بالمجان، لا أحد يطلب منه، ولا يحتاج أن يفعل، ورغم ذلك لا يراه عدد كبير من المصريين إلا كرجل منقوص، مكانه جنة الدنيا وجحيم الآخرة، فمهما فعل فلن ينتقص ذلك من صورته كمذنب كبير لكونه مسيحي الديانة.

"الأسافل لا يملكون رحابة الفيض، هم فقط جسور مقطوعة بين أبراج معزولة وبائسة. أسوأ البشر: قضاة بلا محكمة ولا رحمة ولا فهم ولا استئناف ولا عدل"

تظل واحدة من أكثر الصور القابضة والمثيرة للكآبة، الصورة التي تنشر مع كل خبر للقبض على مثليين تم الإيقاع بهم. صورتهم أثناء محاكمتهم في حادثة "الكوين بوت" في عام 2001، وهم يغطون وجوهم بـ"ملايات". مدانون بلا تعاطف، وبلا أمل في تعاطف، قهر بلا سند، يرى صائدهم أنه يملك حبسهم وإذلالهم، محاكمة على الاختيار، على الوجود، بذنب نهائي، مزروع بداخلهم في الأساس. يذكرنا محمد عبد النبي في روايته الرائعة "في غرفة العنكبوت" المستوحاة من الحادث نفسه، بصراخهم في القفص عقب نطق الحكم بالحبس: "إنت قاضي ظالم.. ومصر كلها ظالمة." تلك الصورة وتلك الصرخة هي مصر: قضاة بلا محكمة وأحكام بلا عطف وقهر مطلق، وشرخ مقيم عقب انقضاء العقوبة والكل مدان وعليه أن يستر وجهه هربا من ذنب اختياره. لا فارق في تلك الصورة بين مواطن وزعيم وقاض وشيخ وثوري ونائب رئيس حي العجوزة. صورة تذكرنا بطقس كئيب دائم.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".