AP - طفل يتسول في الجامع الأموي

نغم علي تكتب: روزنامة.. اليوم العالمي لتشغيل الأطفال

دعاء طفلة سورية، امتهنت التسول. تسوّل الصداقات وتسوّل المال. فالأولى كان لبقائها سعيدة في مهنتها الوحيدة، والثانية ضرورة لتجنب غضب والدها. تراها في منطقة ساروجة وسط العاصمة دمشق، تقف إلى جانبك في أحد المقاهي هناك وتتحدث عن المناطق التي حصلت منها على مال كثير خلال الفترة الماضية، مال اقتصر طبعاً على القطع النقدية المعدنية للعملة السورية، تعمل على اللعب بها لتصدر طقطقة يقطعها تحليق الدولار الواحد مقابل الليرة السورية ليتراوح حتى تاريخ كتابة هذه المادة بين ال450 وال500 ليرة.

أيام مرت على اليوم العالمي لـ"محاربة تشغيل الأطفال"، إذا دققنا في الكلمات الثلاثة، وجدنا معان كبيرة، ضربت على أكثر من وتر سوري حسّاس لحرب أو صراع أو أزمة، "سمّها ما شئت"، كلمات ثلاثة تحمل في طياتها ما يلي:

محاربة: مصدرها حرب وقتل، فعل لم يغب عن بلدي منذ أكثر من 5 سنوات.

تشغيل: مصدرها شغل، فعل غاب بكثرة في وطني، بل ناب عنه فعل أغلق، إغلاق الأبواب في وجه الشباب وأرباب عائلات يعمل الفرد فيها 16 ساعة لحصد المزيد من عرق الجبين الذي قد يغلق أبواب الجوع والفقر بنسب محدودة، وسط بورصة من الأسواق المالية بات من خلالها المواطن السوري على دراية بعملات الدولار واليورو والدينار.. أمام "ليرة سورية" وهنا الكلمتان نكرة بعد أن باتت غير معرفة في محفظة قل استعمالها.

يبقى من هذا اليوم العالمي"الأطفال"، تراهم هنا وهناك في شوارع دمشق، لا ليس في كل الشوارع وإنما تلك التي غدت مرتعاً للتشغيل والتوظيف، ما يعني أن هذا اليوم العالمي الذي أقرته الأمم المتحدة منفي في روزنامة أطفال بلدي.

تشغيلهم  يقتصر على حرفة التسوّل، امتهونها بكل خفة، خفة تجلت في القدرة على السير معك ومحاصرتك وملاحقتك وحشرك في زاوية "ادفع ثم توكل". وهم يتوسلون للتسول لإعطائهم "حفنة من المال" أو بقايا طعام عبر جمل مدروسة تدعو لك بالشفاء والهناء سيما الفتيات، حيث يقتصر الدعاء على الزواج من الذي يحتل قلبها وعقلها، وهم ليسوا على دراية أن ذاك الشخص قد يكون قتلته الحرب أو هجّرته.

حين ترى دعاء وشعرها قد رتب جيداً، في أحد الصباحات الدمشقية، تعلم  أن نتيجة ما حصدته قبل يوم كانت مرضية لوالدها، أما حين تراها بالحجاب، تعلم هنا أن "أباها أرغمها على ارتدائه لكسب المزيد من المال"، تصف دعاء ذلك وكأنها تجارة من باب التعاطف الديني، وهي تأمل بأن تدر حرفتها التي أجبرت عليها المزيد من الليرات، فتعود في يوم آخر بشعر مرتب ونظيف.

أهي الحرب التي أبدعت طرقا جديدة للتسول! أم أن أساليب هذه الحرفة تطورت ويجب تجديدها!

 الأطفال بالنسبة لوالد دعاء وأمثاله، مشروع استثمار، فكلما زاد عدد الأولاد،  ازداد معهم معتنقو هذه المهنة المذلة، ما يزيد من منسوب الذل اليومي.. من الليرات.

تمشي اليوم في شوارع دمشق، لينوب عن الياسمين تجمع كبير من المتسولين. طفلة تحتضن رضيعاً وأخرى تأكل بقايا طعام جنته حرفتها. التسول هنا لا يقتصر على المال بل على بقايا سندويشة الفلافل أو الشاورما، تخيم طقوس الرغبة في تناولها على طقوس التسول ذاته.

هنا يتوقف المتسول عن التسول، يعيش متعة حقيقية للحظات، تفضح تفاصيل وجهه الفرح الدفين بكسر حاجز الجوع عبر بقايا "سندويشة" كسبها بعرق جبينه، أو بدعائه وتزلفه، بعد عمر من الركض وحرق الحريرات وسنين طفولته.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".