anp - نازحون من مدينة الفلوجة بسبب المعارك الضارية ضد تنظيم داعش المتطرف- 17 يونيو 2016

محمد الأمين يكتب: الفلوجة تحررت.. الفلوجة لن تتحرر

هل أنت مهتم حقا بمتابعة ما يجري في الفلوجة؟ هل تتقصى الحقائق في ما يتعلق بأوضاع المدنيين ومجريات المعارك؟ أنت إذن تقدم على مجازفة كبيرة في الولوج إلى مناطق محرمة مملوءة بالألغام على شاكلة واقع المدينة، وعليك أن تدرك سلفا أن نشرات الأخبار والتغطيات الصحفية والتقارير الإعلامية هي نتاج مواقف سياسية لا صلة لها بالحقائق، ومن أجل الوصول إلى الحقيقة لابد أن تكون ماهرا في اكتشاف الخدع الإعلامية على غرار الخدع السينمائية في هوليوود.

ان الصورة التي يقدمها الإعلام العربي عن الفلوجة لا علاقة لها بحقيقة ما حدث وما يحدث في المدينة. ويسهل القول إن الفلوجة هي المغيّب الأكبر في الأغلبية الساحقة للمتابعات والتغطيات الإعلامية. إن الصورة الحقيقية للفلوجة تم تغييبها في سجال المواقف من الصراع الدائر في العراق بين القوى التي تسعى إلى نسف العملية السياسية برمتها من جهة، وبين القوى التي تراهن على إيجاد حلول للوضع العراقي الراهن من خلال الحل السلمي الديمقراطي الذي يحتكم لصناديق الاقتراع.

لا تحضر الفلوجة في الإعلام العربي دون صفة ملازمة لها: معقل المقاومة بوجه الاحتلال الأمريكي، تكتب صحفية عربية :"الاسم يستحضر المقاومة التي انخرط فيها أهل المدينة ضد المحتلين الأمريكان والانتقام البشع الذي تعرضوا له". لكن لا الصحفية ذاتها ولا جريدتها ولا الإعلام العربي برمته كشف وإن لمرة واحدة هوية "أبطال المقاومة" المزعومة هذه، أو أجرى حواراً معهم. إنها لمفارقة كبيرة أن تمجد كل شعوب العالم رموزها في المقاومة والصمود، إلا الفلوجة.

إن متابعة سريعة للأحداث تكشف عن اتفاق كبار ضباط الجيش العراقي السابق من المتمركزين في المدينة مع الجانب الأمريكي على عدم دخول القوات الأمريكية بعد الغزو الأمريكي للعراق، وهو اتفاق سيوفر إمكانية هائلة للإرهابيين العرب في تنفيذ مئات التفجيرات الإرهابية في بغداد ومدن عراقية أخرى، إلا أن التحالف البعثي التكفيري لم يكتف بمئات التفجيرات وعمليات القتل الإرهابية التي استهدفت الشيعة، إن الهدف هو العودة إلى الحكم واستهداف الأمريكان هو ورقة ضاغطة تهدف التوصل إلى حلول تساومية تقرب التحالف البعثي التكفيري للهدف.

"الصورة الحقيقية للفلوجة تم تغييبها في سجال المواقف من الصراع الدائر في العراق بين القوى التي تسعى إلى نسف العملية السياسية برمتها من جهة، وبين القوى التي تراهن على إيجاد حلول للوضع العراقي الراهن من خلال الحل السلمي. "

في الحادي والثلاثين من مارس 2004 قام إرهابيون باختطاف وقتل أربعة أميركيين متعاقدين مع شركة بلاكووتر الأمنية الخاصة في الفلوجة، مما دفع بالقوات الأمريكية لشن هجوم على المدينة انتهى باتفاق مع كبار ضباط الجيش العراقي لتولي أمور المدينة. وسيثير الاتفاق الذي أبرم بين الأميركان وكبار ضباط الجيش العراقي حفيظة السياسيين العراقيين وشن هجوم ثان بدعم من القوات الأمريكية في نوفمبر 2004 ، فالمدينة حصلت على زخم أكبر في تجهيز الإرهابيين وانطلاقهم منها لتنفيذ تفجيرات ضد المدنيين في العاصمة بغداد استهدفت القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي .

اللافت في الأمر أن المروجين اليوم لأسطورة الفلوجة هم أنفسهم من كانوا يروّجون لمصطلح «المقاومة الشريفة»، ويحضر هنا اسم النقيب السابق في الحرس الخاص أبو أحمد الدليمي والذي قتل في معركة الفلوجة الأولى كأحد أبطال المقاومة، لكنه أيضا بطل الإبادة العرقية التي استهدفت الشيعة في العراق، إذ نفّذ جريمة تفجير سيارة مفخخة في مدينة النجف راح ضحيتها أكثر من مائة مدني بريء.

يقتل «الدليمي» مئات المدنيين المسالمين انطلاقا من دوره الإرهابي في حرب الإبادة، ويقاوم الأمريكان في الفلوجة. هذا الدور المزدوج يقودنا إلى السؤال عن السبل التي تمنحنا القدرة على التفريق بين الإرهابي والمقاوم. بيد أن  هذا الفصل قسري وغير واقعي، فالجماعات والأشخاص الذين كانوا ينفذون عمليات الترويع الجماعي والإبادة العرقية، هم ذاتهم من قدمهم الإعلام العربي  أبطالا للـ "المقاومة الشريفة "!!

قد يحلو للبعض أن يصف الفلوجة بالمغتصبة من قبل «داعش»، في المقابل يصنفها آخرون بمعقل الإرهاب والإرهابيين وكلا التقييمين لا يصمدان كثيرا أمام الحقائق. فالمدينة تضم فئات ترى في داعش ممثلها السياسي في مواجهة الحكومة المركزية، وفئات أخرى تراهن على الحصول على حقوق وامتيازات من خلال المشاركة في العملية السياسية، والإعلام العربي يتقصد تغييب القوى والشخصيات السنية المنخرطة في العملية السياسية في العراق، ويتقصّد كذلك تغييب الوجوه السنية التي انضوت تحت راية القوات العراقية لتحرير الفلوجة، والأكثر غرابة من كل هذا هو التمويه الذي يمارسه الإعلام العربي لتقديم فلوجة ثائرة ومقاومة مستقلة عن داعش.

نعم لقد نجح الإعلام العربي في تحويل الفلوجة إلى أيقونة، والأيقونة لها صورة ثابتة في المخيال الجمعي لا تتغير وفقا للأحداث. الفلوجة من منظور الإعلام العربي أيقونة الصمود بوجه المحتلين والغزاة، هذا الموقف يشطب على شرعية لمساعي القوات الحكومية العراقية لتحريرها، ولهذا السبب أيضا قد تحررت الفلوجة على أرض الواقع، ولكنها لن تتحرر من الصور النمطية التي رسمها الإعلام العربي وغرسها في المخيال الجمعي. تغيير كهذا يحتاج الى معجزة. هذه الحقيقة المؤلمة تجعل الفلوجة ضحية إعلام عربي لا يريد للمدينة أن تنعم بحياة بلا إرهاب

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".