محمد علاء الدين يكتب: ليون الأفريقي وحنظلة العربي

تكلم أمين معلوف إلى محطة إسرائيلية.

هذا هو الخبر المزلزل الذي طاف بأرجاء العالم العربي، وانبرى بيار أبي صعب في الأخبار اللبنانية ليدين هذا الفعل بأشد العبارات وأكثرها فتكًا.

هل أخطأ أمين معلوف؟! لا يبدو أن هناك رد قد يتحاشى الإيجاب. أخطأ خطأ كبيرا حتى، ولكن حتى مع هذا الخطأ، فإن قراءة مقال بيار أبي صعب لهي تجربة قاسية على النفس، ليس فقط للغتها الخشبية الخطابية، ولكن لشيء من اليقين، عن سبب اندفاع بعضهم لتقبل فكرة الحوار مع إسرائيل، ما دام الخطاب المواجه بهذا الشكل: لقد أمطر بيار أبي صعب معلوف بكل العبارات الممكنة، الوعظية وغير الوعظية (أتذكر هنا بتعجب جملة تقول: «طق شلش الحياء»، و"تلاشت الروادع")، عن هذا الخطأ الشنيع والسقطة المريعة، وغير ذلك مما لا يختلف عليه أحد. ولكنه ألقى بفقرة قد تجعل القارئ الهادئ يرفع حاجبيه. لقد هاجم تحدث إلياس خوري مع صحيفة إسرائيلية، رغم أن إلياس هاجم بدوره إسرائيل بعنف في هذا الحوار. يبدو الموضوع متزيدًا جدًا، فنحن يمكننا إدانة أن يُجمل معلوف وجه إسرائيل ويضع الموضوع في سياق "الآخر" و"الإنسانية". نؤمن بهذه القيم والمعاني، ولكن وضع إسرائيل، كدولة احتلال وعسف وتنكيل، في ذات هذا السياق سقطة طبعًا، لكن أبي صعب يتجاوز ذلك للهجوم على من هجموا إسرائيل في صحفها، يصل أبي صعب في منطقه إلى نقطة ارثوذكسية تذكرنا بأدبيات الممانعة العربية التقليدية: لا حوار معهم ولو كنت تنتقدهم.

يبدو مثل هذا الإطلاق صارمًا في بيوريتانيته، مطلقًا في اتجاهه، لكن السخرية، وكل سخرية، هي أن نجد أبي صعب يكتب في مطبوعة تدافع عن بشار الأسد، بل إنه، وفي الرابط الذي وضع عليه نص انتقاده لخوري، نجده يطلق على الربيع العربي اسم الربيع الداعشي. تقرأ مثل هذا التعبير ثم ترفع حاجبيك؛ ألم نعتبر إسرائيل عدوا لما تفعله بأهلنا؟! ألم نعتبر إسرائيل عدوًا لأنها تحتل أرضًا هي لأهلنا؟! ما الفارق ما بين إسرائيل وبشار الأسد؟! ما دام بيار أبي صعب قد مضى في رأيه لدرجة انتقاد قول الحق ولو في مكان لا يوافق عليه، إذن أليس من حقنا، ولنا كل العذر، أن نقول له: كيف تساند سلطة هي أول المسئولين عن نكبتنا؟! سلطة تجهل الناس سنة بعد أخرى، تشيع السرقة والفساد والزيف والنفاق والرياء؟ هل لو ساند معلوف سلطة كهذه، "سلطة عربية" كهذه، هل سيوافق أبي صعب؟! هل إن ساند معلوف حزب الله في ما يفعله في سوريا - بعيدًا عن أن له دور مقاوم - لم يكن السيد أبي صعب ليشيد به وبمواقفه "الحرة والشجاعة والنبيلة والأصيلة" في مواجهة "الإجماع الغربي الصهيوني"؟ هو ذات الشخص الذي يهدد معلوف بفقدان انقرائيته العربية، في رجوع لأدبيات شعوبية، عهدها عهد ما يستخدمه الأسد ويستخدمه السيسي، في أن "الكل" سيفعل كذا وأن "الكل" سيعتقد كذا؟!

من حق بيار أبي صعب طبعًا أن ينتقد أمين معلوف، وأنا معه، في كل ما يقصده ضد هذا اللقاء معه، ولكن مثل هذه الطريقة، ومثل هذا التفكير، لا يمكنه أبدًا أن يدعي كونه أي شيء سوى رد حدي، يحمل بين طياته ذات ما انتقده. أعلم أن بيار أبي صعب صحافي كبير، ولابد وأنه قد قرأ معلوف جيدًا، فقبل أن يقول شيئا يحاسب به معلوف من باب العروبة، دعني أذكره أولًا أن معلوف هو طانيوس، لقد جلس على الصخرة، وذهب بعيدًا، هو ذاته بطله في الرواية التي حازت الغونكور. لقد ذهب بعيدًا، بعيدًا، تاركًا لنا وراءه حنظلة العربي، الذي لا يهمه الإنسان، بل تهمه الأيديولوجيا التي يموت من أجلها مئات الآلاف، وترهب من أجلها الملايين. لا يهم، لا يهم، المهم بقاء أسد العروبة وبطل الممانعة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".