anp - عناصر من قوات الشرطة الخاصة وفي الخلفية مبنى "المجمع" في ميدان التحرير - القاهرة 25 يناير 2016

رشا عزب تكتب: خلطة موسوليني ستاليني

لن تحتاج إلى مرشد سياحي يقول لك "هذا هو معمار موسوليني" الذي شيد في أكثر عصور روما ظلامية في التاريخ الحديث. المباني التي بنيت في العصور الفاشية تقول لك باختصار: لقد مر عسكري مغرور من هنا وشيد بلوكات باهتة بجوار أعظم عمارة رومانية.  دائما ما يعبر العساكر عن ذواتهم في مبانيهم وإنتاجهم الثقافي والاجتماعي بشكل عام.

في روما بنى موسوليني E.U.R للاحتفال بمرور 20 عام على حكم الفاشية، كمجمع إداري للدولة وهو معمار حديث، خارج روح المدينة العتيقة، يحمل بعض مظاهر العمارة الرومانية ولكن دون تفاصيلها الدقيقة المدهشة، حيث بدت الأعمدة الرومانية في مدينة موسوليني عارية كصحراء، خاوية كالملل.

وفي موسكو ظهر ما يسمي "بالطراز الستاليني"، الذي تنكر لتراث موسكو البديع في المعمار، ويعبر عن هذا الطراز أوتيل موسكو الذي يراعي ما أطلقت عليه اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المعايير الاشتراكية في البناء، هذه اللجنة التي تحكمت لسنوات في الاتحادات الفنية والأدبية في روسيا ستالين. وبالمناسبة أوتيل موسكو يشبه أي مؤسسة حكومية مصرية!

وفي العصور الفاشية والنازية بشكل عام، ركز الجنرالات على بناء معمار مميز للطبقة الوسطي، ومعمار متواضع نمطي للفقراء على هامش المدن.

في مصر لن تحتاج إلى مرشد سياحي أيضا ليقول لك: هذه هي "عمارات الضباط" أو هذه فنادق ومبان الجيش. الطابع المعماري الحاد الخالي من فنون العمارة الراقية أو حتى فنون العمارة المتوسطة الجمال، مجرد معسكرات على هيئة عمارات سكنية أو فنادق ضخمة تشبه القلاع الإسمنتية المصمتة.  

النمط الواحد المكرر هو شعار الإنتاج العسكري. كل شئ يشبه بعضه، لا شئ يشبه نفسه على الإطلاق، لا سبيل للتميز والتفرد.

خلال الفترة الليبرالية في حكم مصر إبان ثورة 1919 وحتى انقلاب يوليو 1952، شهدت البلاد محاولات تعددية حقيقية على مستويات مختلفة، وليس معنى ذلك أن مصر كانت جنة الديموقراطية، لكن التعددية الحزبية والبرلمانية الوليدة في هذا الزمان كانت كفيلة بأن تسقط الجماهير المصرية نواب القصر الملكي والحكومة في الانتخابات، بل أن مجلس النواب كان يواجه الحكومة ويصر علي عدم اعتماد الميزانية قبل مناقشة بنودها بالتفصيل. لكن الطاغية إسماعيل صدقي يصدر قرارا بحل البرلمان ويغلق أبوابه بالسلاسل، فيصر النواب على اقتحام البرلمان فيما يعرف بيوم "تحطيم السلاسل"، وهو من الأيام التاريخية في كفاح الديموقراطية المصرية.

التجربة الليبرالية الناشئة انتهت مع وصول العسكر للحكم في 1952، فانقصف عمر التعددية في كل المناحي، ليبدأ عصر التنميط.

مصانع الإنتاج السياسي للعسكر مثل الامبيا، هذا الكائن وحيد الخلية، حيث تم إنتاج هيئة التحرير كظهير سياسي لمجلس قيادة الضباط الأحرار، ثم تحول إلى الاتحاد القومي. ويعبر أنور السادات بصدق عن حقيقة هذا التنظيم فقال عنه: إن الاتحاد القومي باختصار هو تجسيد لجمال عبد الناصر الرمز، وهو تجسيد لأهدافنا و مصالحنا المشتركة، هو خط الثورة في كل منا.

ينتهي دور الاتحاد القومي ليتم استنساخه باسم جديد هو الاتحاد الاشتراكي، يعلن عنه العسكري الأول جمال عبدالناصر كتنظيم وحيد يقود الحياة السياسية في مصر، ويموت عبد الناصر ويحاول خليفته خلق تنظيم وحيد أيضا ولكن بديموقراطية شكلية أطلق عليها المنابر الثلاثة، ويظهر إلى الدنيا المخلوق المشوه "الحزب الوطني الديموقراطي" الذي يرثه حسني مبارك ويظل متمسكا به حتى يشيخ وتقوم ثورة شعبية تقضي على مبارك وحزبه الديناصوري العتيق، والذي أمم الحياة السياسية في مصر طوال 30 عاما.

ليست مصادفة أن يكون مبنى الحزب الوطني المحروق في 28 يناير 2011 وبجواره المبنى العتيق الذي شهد ميلاد الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي هدفا لغضب المتظاهرين، كأن المصريين أرادوا التخلص من هذه المرحلة بأكملها، لقد حاول المصريون بصدق.

الآن، يحاول النظام السياسي خلق نفس الكيان الموحد ليكون ظهيرا سياسيا لنظام الحكم، وإن كان هناك تنافس بين المجموعات السياسية الانتهازية المدعومة من رجال الأعمال على الفوز بهذا الدور المكرر ظهوره منذ 64 عاما.

من السياسة إلى الفنون.

حاول الضباط الأحرار السيطرة على المجال العام لأفكار المصريين وتنميطها، ليس بالدعاية السياسية وحدها ولكن بالفنون أيضا، ولعب وجيه أباظة دور الضابط المثقف الفنان، الذي تواصل مع فناني العصر ومنتجي الأفلام، حتى صار مرجعية لهم، يعتمد تصوير أفلام ويرفض أخرى. فما قاله السيسي منذ أيام عن ضرورة التوقف عن إنتاج سينما العشوائيات ليس بعيدا عما فعله الضباط الأحرار في بداية وصولهم للحكم.

التجربة الليبرالية الناشئة انتهت مع وصول العسكر للحكم في 1952، فانقصف عمر التعددية في كل المناحي، ليبدأ عصر التنميط
.

تقول صحف القاهرة الصادرة في 1952 إنه بعد التشاور مع قيادات الثورة الجدد، دعا المنتج المعروف حسن رمزي إلى عقد اجتماع لصناع السينما في مصر للاتفاق والتوقيع على ميثاق يلتزم به جميع المنتجين الذي وصل عددهم في الاجتماع إلى 48 منتجا إلى مساندة حركة الجيش المباركة، وتبني شعاراتها الثلاثة: "اتحاد، نظام، عمل ". كما ينظم الميثاق عمل المنتجين في العهد الجديد، مع التأكيد على المنتجين الغير موقعين على الميثاق الجديد، بأنهم سيكونون خارج الإجماع العام، ولا يحق لهم الاستمرار في الحقل السينمائي! هكذا وبلا مواربة، دعوة لتأميم الفنون لخدمة رجال العهد الجديد.

المعمار المصري المتميز نموذج باهر أيضا، حيث كان ينضح بالتعددية والاختلاف. فهناك معمار الطبقة العليا ومعمار الطبقة الوسطى المصرية والأجنبية وأخيرا معمار الطبقة الشعبية. والتفاوت الطبقي لم يمنع من وجود جماليات معمارية في الأحياء الشعبية. فلا تزال مباني منطقة السيدة زينب القديمة والدرب الأحمر شاهدة على ذلك، وكذلك معمار منطقة مصر الفاطمية كلها، والتي تعد متحفا معماريا مفتوحا ينطق بجماليات فنية مبهرة، الأسوار، الحوانيت، البوابات، الاسبلة وهذا هو المعمار الذي شيدته الدولة الفاطمية ذاتها. أما المعمار الذي شيده الأهالي، فلا ينقص إبداعا عما شيدته الدولة على اختلاف العصور، مثل بيت السحيمي وهو مثال للسكن الخاص الذي بناه أصحابه في العصر العثماني على عدة مراحل زمنية، مما يؤكد تعاقب الأجيال على الاهتمام بهذا النوع من العمارة والفنون.

علي الرغم من أن مصر ( 1882-1954) شهدت محاولات جادة نحو تعريب وتأصيل العمارة العربية، حيث كانت العمارة السائدة آنذاك هي عمارة غربية كلاسيكية أو حداثية أو عمارة تجمع بين الطرز الغربية والعربية. وأنتجت هذه الفترة درر العمارة العربية الجديدة مثل مبنى محطة مصر، دار الحكمة، نقابة المهندسين، مستشفى العجوزة، جامعة الدول العربية.

في سنوات ما بعد 1954 بدأت محاولات تنميط نوع محدد من العمارة يعتمد على الخرسانة المسلحة وخفوت ما أطلق عليه "المرحلة الليبرالية في العمارة". هذه المرحلة التي بدأت ببلوكات العمال في القاهرة والمحافظات العمالية وانتهت بعمارات الضباط المترامية ككتل مخيفة.

لم تكن هذه التحولات بعيدة عن شخصية المصريين، بدليل أن العمارة السائدة في مصر الآن ما هي إلا محاكاة لبلوكات عبدالناصر وعمارات الضباط، وبدليل أننا لا نزال نردد شعارات عسكرية عن علاقتنا ببلادنا مثل "الوطن فوق الجميع"، والذي تدرج إلى شعار لفريق كرة قدم "الاهلي فوق الجميع" على الرغم من أن الجميع هو الوطن. وإذا جار الوطن على الجميع وداس على رقاب مواطنيه، فلا يصبح وطنا!

 ***

مراجع المقالة

  • المعماريون المصريون الرواد، شيماء عاشور، مكتبة مدبولي

  • تطور الحركة الوطنية في مصر، عبدالعظيم رمضان، الهيئة العامة للكتاب

  • مصطفي النحاس دراسة في الزعامة السياسية المصرية، كتاب الهلال العدد 505

  • مجلة الجيل الجديد،  العدد46، 10 نوفمبر 1952

  • هندسة الاستبداد، غسان صالح، العربي الجديد 10 نوفمبر 2016

  • انور السادات والاتحاد القومي، موقع محمد انور السادات.

  • LA capital ، مجلة una citta  الايطالية وحوار مع عالم الاجتماع والمعماري herald bosenschatz

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".