عيسى شاكر - لاجئون سوريون في اليونان

نغم علي تكتب: الهجرة.. من شذوذ إلى قاعدة

جواز السفر، حبة ليمون لدوار البحر، دواء للصداع، أكياس بلاستيكية، بدل ملابس، يضعها السوري في حقيبة الظهر وينتظر في الطابور ليأتي دوره وينادي باسمه المهرب ليعتلي البلم وينتقل إلى السواحل الأوروبيه تحت عنوان مهاجر غير شرعي.

هذه الهجرة عاد موسمها الفصلي بعد غياب دام تقريبا لستة أشهر من خريف وشتاء،  هاجت على إثرهما أمواج البحر المتوسط ليرسي المهرب آنذاك بلمه منتظرا عودة الصيف أو على الأقل هدوء الأمواج، بينما هاتفه الجوال لا يمل من رنينه مستقبلا مكالمات شبان وعائلات تتناسى أو تجاهلت حجم ضحايا الغرق وتسجل اسمها في قائمة الموت المحتمل.

الاحتياجات الضرورية التي تكون في حوزة الراغب بالرحيل باتت بديهية لمعظم السوريين ولاسيما في ظل الحرب التي تأثر بها الشباب السوري بشكل كبير حيث وجد الحل في الهجرة إلى البلدان الأوروبية وطلب اللجوء.

ثقل تختلف وطأته من شخص لآخر، من عائلة لأخرى ومن منطقة إلى جارتها، تبعا للظروف المادية وللعديد من المؤثرات الخارجية التي تزرع في الحياة اليومية للسوري فكرة الهجرة، إلا أن اللجوء بات اليوم "موضة" لها جمهورها.

هذه الموضة تجاوزت عواقب الحرب، لتصبح مجرد فكرة تجول بال السوري بأية لحظة ثم تتحول إلى ميدان التطبيق، بعيداً عن عامل الأزمة.

فكرة السفر تنغرس في ثقافة المجتمع السوري، ليصبح الشذوذ قاعدة.

الهجرة غير الشرعية مغامرة تخطر في بال السوريين، ليس بسبب الحرب فقط، وإنما بسبب الاعتقاد بأن البقاء في البلد هو الشذوذ بحد ذاته.

الشباب السوري تحوم حوله مغريات اللجوء، بعد أن قدم الغرب تسهيلاته في فترة سابقة، الأمر الذي شكل عامل إغراء للشباب حتى الميسورين الحال وممن يمتلكون وظيفة تؤمن لهم احتياجاتهم اليومية.

أخبار غرق المهاجرين غير الشرعيين، سيما الأخيرة التي تناقتلتها المواقع الإخبارية في التاسع والعشرين من مايو المنصرم حول غرق 900 شخص في المتوسط أغلبهم سوريون ، هذه الأخبار قد تحرك من الناحية النفسية جانب القلق في نفس السوري المقبل على  رحلة خطرها يدوم دقائق قليلة، يحسد فيها من يرتدي سترة النجاة التي انتعشت تجارتها في الأسواق التركية على أيدي "باعة سوريين" بسعر يتراوح بين ال40 وال70 ليرة تركية (الدولار يساوي ثلاث ليرات).

بعض السوريين اعتمد على اجتهاد شخصي قد يقيه من غدر البحر عبر دورات لتعلم السباحة بغرض مواجهة مخاطر الرحلة ذات المعالم المجهولة.

على الضفة الأخرى من القصص السورية، أقدمت عائلة طبيب أسنان مشهور على الهجرة غير الشرعية للسير في التيار الرائج في البلد بالرغم من أن وضعهم المعيشي ميسور الحال وليست هناك أي معوقات فعلية تقف عقبة في درب حياتهم؛ العواقب التي دفعت الآلاف للهجرة، مرجعين سبب خطوتهم إلى خوفهم أن يكونوا على خطأ في البقاء داخل البلاد، تاركين وراءهم منزلا في العاصمة دمشق، والعيادة وصيدلية. لقد أغلقوا مساحة الطب والصيدلة الخاصة بهم، لينضموا إلى ما درسناه في كتب الجغرافيا والتاريخ حول هجرة العقول، أسبابها وعواقبها على بلدانهم.

الهجرة غير الشرعية مغامرة تخطر في بال ليس بسبب الحرب فقط، وإنما بسبب الاعتقاد بأن البقاء في البلد هو الشذوذ بحد ذاته، وليصبح السؤال المعتاد الذي تسمعه في ذهابك وغيابك في سوريا اليوم:

- لساتك بالبلد؟

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".