محمد علاء الدين يكتب: مصر الكنافة

أتى رمضان، وانشغل الناس بحروب الكنافة والقطائف وسائر المأكولات والمشروبات، بالإضافة إلي المسلسلات والإعلانات، وغير هذه من وسائل الترفيه أو التعذيب، حسب وعيك.

أتى رمضان، وانشغل الناس بعيدًا، ولو قليلًا، عن حكايات المعتقلين في السجون، هؤلاء الذين يقاسون أهوال الحر في زنازين ضيقة خانقة، تجعل بعضهم على شفا الموت حقًا، لا استعارة أو مبالغة. هؤلاء الذين لم يفعلوا شيئا سوى بالحلم بوطن أفضل، ومساحة آدمية تمكن الناس من الحياة، مجرد فعل الحياة لا الموت والموات، في وطن يتعقب فيه قضائيًا نقيب صحافييه والرئيس السابق لأكبر جهاز رقابي في الدولة. في وطن يُحبس فيه مجموعة من الشباب لم يفعلوا شيئا سوى السخرية. لم يحملوا سلاحًا، لم يشهروا سيفًا، لم يغتالوا الناس و”يصفونهم” كما تفعل الشرطة المصرية، لقد غنوا فقط. تبدو جملة "لم يفعلوا شيئًا سوى السخرية" مخاتلة قليلًا، السخرية للظالم هي أعنف من البندقية، إن أردت الحق.

يأتي رمضان، ويتسأل الناس عن الأجور الفلكية لنجوم بلاستيكيين، يتشبثون بالأنوار كما تتشبث العلقة بالجلد، نجوم يرفضون الزمن، وفي الحقيقة يرفضون الحياة؛ الحياة هي في صراحتها، وعفويتها، وطلاقتها، لا بتزييف الأعمار وشد الجلد وزرع الشعر، هؤلاء من يغلقون الباب، كحاكمهم وكسيدهم، في وجه الحياة في عنفوانها وفي إبداعها، هم من يستميتون لإعادة أغنية لا تطرب أحدًا في الحي، ولكنهم مصممون. نعم، يتساءل الناس عن أجورهم الفلكية، وهي حقهم، لأن ما يفعلونه ليست جريمة في نظر القانون؛ جرائم الحياة، في الحقيقة، لهي أشد وأنكى. هذا النجم البلاستيكي يأخذ هذا الرقم من الملايين، وهذه المتصابية الضحلة ملايين أخرى، وهذه وهذا وهذه، حقهم، ولكن ليس من حق أحد، أبدًا، أن يشيد بسيدة تتبرع بآخر حلق ذهبي لها، لصندوق يحمل اسم "تحيا مصر"، في زمن انهيار مصر. قال صديقي أحمد الفخراني بل أن هذه السيدة هي من تستحق أن تأخذ، لا أن تعطي، ومعه ألف حق.

"يأتي رمضان، ويتسأل الناس عن الأجور الفلكية لنجوم بلاستيكيين، يتشبثون بالأنوار كما تتشبث العلقة بالجلد، نجوم يرفضون الزمن، وفي الحقيقة يرفضون الحياة"

ليس من حق أحدهم أبدا أن يكرس "تضحية المعوز"، بينما يتخم الآخرون بالنقود، بائعين بضاعة فاسدة كريهة.

ولكن رمضان هنا، والناس منشغلون بأكل سلع فاسدة إلا فيما ندر، ورؤية مواد فاسدة إلا فيما ندر، وعيش حالة روحية فاسدة إلا فيما ندر. الناس منشغلون بفقه فاسد، يسألونه عما إذا كانت نقط الأذن تفطر؟ أم شم رائحة الجوارب؟ أم يقع هذا في حال رؤية الجن؟ بينما ينشغل الفقه في التحريض على المختلفين، ويتباهى ببلاد الإسلام التي، وكأننا في قرون هجرية أو في تاريخ بديل، حيث الدين لا الإنسان، حيث الآخرة لا الحياة، وحتى على مقاس ما يقولون، فهم نفس الفقهاء الذين حللوا سفك دم "المسلمين" في "بلاد الاسلام". الناس منشغلون في فقه يحاول قمع ما عاداه، لأنهم أنفسهم يحاولون قمعك، لأنهم أنفسهم يحاولون أخذ الحسنات رغما عنك، ’متشعلقين‘ بعربتك أو داسّين أنفسهم تحت إبطك، مادين الأيدي بتمر أو بماء. يشكرون، بالطبع، على المشاعر الطيبة لو كانت تجاه الناس، إلا أن الحقيقة هي أن مشاعرهم الطيبة هي تجاههم، والناس سلالم يرتقونها من أجل "الثواب". هكذا يهينون الدين، وهم يلهجون بذكره. كل هذا إلا فيما ندر.

فاسدون يبيعون بضائع فاسدة لفاسدين، بينما نحن نغني الأغاني عن بلاد المسلمين، بينما نحن نلهج بكل الكلام الكبير أثناء مساعدتنا الطلبة على الغش والتدليس. نطنطن بحناجر نحاسية بينما أفضلنا في السجن، أو هاربا إلى بلاد بعيدة، أو قابعا في المصحات أو في بيوت هي كالمصحات. نملأ بطوننا بالريد فيلفيت وكنافة المانجة، بينما ينشغل الجيش بمشاريع قلي لقمة القاضي وأصابع زينب وحلو الشام.

أليس من حقهم أن يعيشوا؟ أليس من حق الناس أن يعيشوا؟! أليست اليد قصيرة والعين بصيرة؟! أليس الفقر والعوز والجحيم بقريب؟! أتستخسر عليهم أن يتمتعوا ببعض مما يعدونها مباهج في واقع كريه؟!

نعم، من حقهم، ومن حقنا أيضًا ألا نسمع عبارات بلاد الإسلام ومصر الحضارة ومصر الكنانة. أحدهم، وبكل حذق، استخدم رشاش حبره، ليعدل هذا الشعار، فوق حائط مصري ما، إلي الاسم الأليق والأدق: مصر الكنافة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".