AP - دخول الصليب الأحمر الدولي مع شحنة مساعدات انسانية إلى داريا

سوريا: العدالة الانتقالية والعدالة في التوثيق

بسام الأحمد وديما حسين- ليست عملية التوثيق غاية بحد ذاتها وإنما هي مرحلة أساسية للعديد من الخطوات اللاحقة التي تهدف إلى إحقاق الحق مثلاً وتطبيق العدالة والاعتراف بالجرائم وغيرها من الأمور. ولا يقوم التوثيق فقط على تسجيل الشهادات والانتهاكات التي ارتكبتها هذه الجهة أو تلك وإنما يقوم أيضاً بمراقبة الظواهر والأنماط، وبالتالي تحديد ما إذا كانت الانتهاكات المرتكبة ممنهجة مثلاً أو تحمل صبغة معينة أو تهدف إلى تحقيق "انتصارات عسكرية" معينة بطرق الإبادة أو التجويع أو استخدام الاعتداءات الجنسية والإخفاء القسري كسلاح حرب وغيرها.

إن عملية التوثيق بشكل عام وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خاص هي أحد أهم المراحل الأساسية للوصول إلى معلومات دقيقة ذات مصداقية، إضافة إلى أدلّة تفصيلية ونظرة شاملة أكثر حول السياق الذي وقعت فيه الحادثة أو الانتهاك أو الجريمة. ومن البديهي القول إن جميع المراحل الأخرى اللاحقة لعملية التوثيق تُبنى بشكل وثيق على طبيعة المعلومات ومدى مصداقيتها ودقتها، وأنّ أيّ خلل في أيّة جزئية في المادة التوثيقية نفسها أو في الأدلة التي تمّ جمعها سوف يؤدي إلى خلل حتمي في مراحل المناصرة والمحاسبة والتعويض وغيرها من الإجراءات اللاحقة، وقد يصل إلى الإساءة لقضيّة برمتها، وهذا ما يحيلنا مباشرة إلى العلاقة ما بين قضيتي التوثيق والمحاسبة وكيف أنّ الأولى أساس الثانية وكيف أنّ الثانية مكملة للأولى وتتأثر سلباً أو إيجاباً بسابقتها.

"لا بد من الاستفادة من التجارب السابقة ومن الإرث الإنساني في مجال العدالة الانتقالية ولكن لا بد أيضاً من مراعاة خصوصية التجربة التي مر بها البلد المعني"

وتمرّ "عملية التوثيق" ذاتها بعدة مراحل وهي الرصد وتقصي الحقائق والتوثيق (أي مرحلة تدوين البيانات). وجميع هذه المراحل تعتمد على مفاهيم وقواعد حقوق الإنسان والقوانين الدولية، ومن هنا تأتي الصلة الوثيقة بين التوثيق وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع والعمل على تعزيزها. وبما أن المجتمع المدني في سوريا ما يزال في طور التكوين وفي مرحلة التشكّل، فإن الارتكاز على مبادئ حقوق الإنسان والقوانين الدولية سوف يؤسس حتماً لمجتمع مدني مبني على أسس صحيحة.

للتوثيق أيضاً صلة وثيقة بمرحلة العدالة الانتقالية أو ما يعرف "بعدالة ما بعد النزاعات"، والتي تختلف عن قواعد العدالة العامة بأنها ليست قضائية فحسب، وإنما تشمل إجراءات عديدة، أبعد من المحاسبة مثل جبر الضرر ورد الاعتبار وكشف الحقيقة والاعتراف بالمسؤولية وتقديم الاعتذارات العامة والمصالحة وكل ما من شأنه إنهاء المعاناة وإعادة الحياة المدنية والسياسية لشكلها الطبيعي والوصول إلى جو يساعد على التعايش الأهلي من جديد وضمان عدم تكرار الماضي والفظاعات التي حدثت فيه.

وبما أن العدالة الإنتقالية تقوم على التعامل مع الماضي والإرث الذي خلفته النزاعات، وبما أن ذلك يحتاج لكشف حقيقي وشامل للحقيقة، فإنها تعتمد على التوثيق المنهجي في هذا الكشف.

كما أن التوثيق يدلل على الانتهاكات المرتكبة وإلى الجهة التي قامت بتلك الانتهاكات مما يساعد على عدم طمس الحقيقة أو تسييسها من قبل الطرف المنتصر، والتي ستؤدي بالنتيجة لنزاعات مستقبلية محتملة.

للتوثيق أيضاً دوره خلال النزاع القائم نفسه من خلال فضح الانتهاكات والجهة المنتهكة، وبالتالي تغيير الاصطفافات على الأرض والتأثير في "الوعي الجمعي" لدى المجتمع بمعرفة الانتهاكات الحاصلة والجهة المرتكبة لتلك الانتهاكات، مما يؤسس لفترة انتقالية سلمية بعد وقف النزاع. وهذا بدوره يشكل تنبيه للجهة المرتكبة للانتهاكات بأنها تحت المراقبة من خلال فضح انتهاكاتها بشكل دوري وتوجيه رسالة مفادها أنها لن تفلت من العقاب عما ارتكبته من انتهاكات، مما يساعد على إشاعة ثقافة قواعد القانون الدولي الإنساني في وقت الحرب وبالتالي الحد من الإنتهاكات نفسها خلال النزاع، ومرة أخرى هذا من شأنه أن يؤسس لمرحلة إنتقالية أقل دموية.  

يحيلنا الحديث عن مرحلة العدالة الانتقالية أيضاً إلى تفصيل أكثر دقّة في عملية التوثيق أو ما يمكن أنّ نسميه "العدالة التوثيقية"، ونعني بها حق جميع الضحايا والناجين بتوثيق معاناتهم والانتهاكات التي مورست ضدّهم بغضّ النظر عن الجهة التي ارتكبت الانتهاك. ففي الفترة المؤخرة "على الأقل" بتنا نشاهد عمليات ومحاولات طمس للحقائق من خلال توثيق انتهاكات بعض الجهات والتعمّد في إخفاء انتهاكات وجرائم أطراف أخرى، بل وأصبحت سمّة مخيفة تتسرب لعمل العديد من المبادرات في هذا المجال. وهذا ما يمكن اعتباره أحد المؤشرات الخطيرة والتي سوف تؤثر سلباً في المستقبل وتمنع قيام عدالة حقيقية لجميع السوريين، وهذا حتماً سوف يؤدي بالفئات التي يتم إهمال الانتهاكات بحقّها إلى الشعور بالغبن وفقدان الشعور بالانتماء إلى الدولة الجديدة أو حتى أننا قد نشهد حالات انتقام فردية قد تؤثر على الاستقرار العام.

تجربتا المغرب وتونس في العدالة الانتقالية 

تعتبر التجربة المغربية في العدالة الإنتقالية الأولى من نوعها في الوطن العربي، حيث بدأت في عام 1990 عندما قام الملك "حسن الثاني" بتأسيس "المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان" ضمن خطوات إصلاحية، وكان الهدف منه فتح ملفات انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت منذ الاستقلال في عام 1956 وبعد العديد من الضغوط الدولية والمحلية. ومن ثمّ تم تأسيس هيئات لتعويض المتضررين وأخرى لتعويض ضحايا الاعتقالات التعسفية.

وفي عام 2004 حدثت خطوة نوعية أخرى في مجال العدالة الإنتقالية في المغرب من خلال قيام الملك محمد السادس خليفة الملك حسن الثاني بإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة"، والتي تمتعت بصلاحيات أوسع من سابقتها وتضمنت كشف الحقيقة وتقديم التعويض وجبر الضرر للمتضررين بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات لمنع الانتهاكات المستقبلية.

ولكن ما يميز التجربة المغربية أنها تمت بمبادرة من النظام الحاكم نفسه والتي من الممكن أن يرى فيها البعض خطوة نحو "الانتقال السلمي للسلطة"، ومن جهة أخرى فإن هذه الخطوة تمت بوجود الأجهزة نفسها، أيّ التي ارتكبت الانتهاكات وبالتالي فإن سقف المحاسبة لا يصل إلى المؤسسة الملكية صاحبة المبادرة، وبالتالي قد تبقى العدالة الانتقالية هنا منقوصة وأقرب منها لخطوة إصلاحية تستهدف تهدئة المجتمع المدني وتخفيف الاحتقان الشعبي.

ولعل التجربة التونسية على حداثة عهدها قد تكون أقرب في سياقها لما يمكن أن تشهده سوريا من عدالة انتقالية في المستقبل، كونها جاءت نتيجة لتغيير ثوري وضمن سياق ما بات يسمّى بالربيع العربي، ولو أن تونس لم تشهد صراعاً دامياً طويل المدى كما هو الحال في سوريا. حيث قامت الحكومة التونسية بتأسيس وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، كما وصادق مجلس الوزراء التونسي في نهاية عام 2012 على قانون العدالة الانتقالية والذي يشمل تأسيس "هيئة الحقيقة والكرامة" للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بين عامي 1955 و 2013، وتعمل الهيئة على جمع المعلومات والاستماع للشهادات والشكاوى وتوثيق الانتهاكات وقد حددت مدة ولايتها بأربع سنوات.

هناك العديد من التجارب في مجال العدالة الانتقالية حول العالم؛ في أوروبا الشرقية أو في جنوب إفريقيا التي من الممكن الاستفادة منها، إلا أن تجربة العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح بغير بناء نموذج محلي وبناء وتحضير المجتمع للتغيير حتى ينجح هذا التغيير ويتوفر عامل الاستدامة. لا بد من الاستفادة من التجارب السابقة ومن الإرث الإنساني في مجال العدالة الانتقالية ولكن لا بد أيضاً من مراعاة خصوصية التجربة التي مر بها البلد المعني، وهذا ما نعتقد أننا بحاجته في سوريا وخصوصاً مع تعقد المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي الجهود التي يجب أن تبذل في هذا المجال سوف تكون كبيرة للوصول إلى المرحلة الانتقالية والعيش السلمي المشترك بين جميع مكونات الشعب السوري.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".