anp - الشاعر السوري أدونيس في معرض فرانكفورت للكتاب - 8 أكتوبر 2004

محمد علاء الدين يكتب: "عابرون في كلام عابر"

كان داخلا إلى القاعة الكبيرة، ندوته بعد دقائق قليلة، تصافحنا وأعطيته روايتي الثالثة "الصنم". حيا بعض مستقبليه الكثر، ثم اقترب مني وسألني:
 
- أما زلت تعيش في مصر؟
 
- نعم..
 
- وما الأحوال؟!
 
- زفت
 
هكذا قلت باللهجة المصرية التي أتخيل أنه يفهم معناها. أكملت:
 
- يبدو أن الإسلاميين سيكسبون..
 
- أتعتقد ذلك؟
 
-  أنا أكره ستالين، ولكن السيسي لم يبلغ ستالين حتى.. ونحن ونحن كعلمانيين نفقد كل مصداقية..
 
أطرق بنظره إلى الأسفل، لحظة وقال:
 
- دعنا نجلس، هيا..
 
جلسنا على مقعدين في الصف الأول، ولم نأبه بعشرات المصورين الذين تحلقوا حول النقاش ما بين الشاعر الكبير والروائي الشاب. بالطبع تعرفون الروائي الآن ما دمت تقرأون هذا، أما الشاعر فقد كان أدونيس. كلانا كان مدعوا للمشاركة في معرض تورين الدولي للكتاب منذ أيام قليلة، هو يقدم كتابه عن الإسلام والعنف وأنا اقدم روايتي الأخيرة، المترجمة للإيطالية. جلسنا والتفت كل منا إلى محادثه، وانهمكنا في حوار بدأته أنا بقول رأيي الذي كتبته مرة على صفحتي في موقع فايسبوك.
 
- أنت شاعر كبير
 
- أشكرك كثيرا
 
- لا.. هي الحقيقة، ولكن ككل الشعراء الكبار لك طريقتك في الصياغة. في مرة لفتتني عبارة قد قلتها..
 
- نعم؟
 
- "لا خير في ثورة تخرج من مساجد".
 
- قلت هذا فعلا..
 
- طيب.. قل لي، بعيدا عن الصياغة الإيدولوجية المتقنة، بعد ما يارب من 80 عاما في بلدك، و60 عامًا في بلدي، أين يمكننا التجمع باعداد كبيرة، غير في المساجد؟
 
- لقد قلت فعلا هذا، أقصد أنني لا أمانع في الخروج من المساجد، ولكنني أمانع في أن تحكم المساجد..
 
- لا أظن أن أحد منا يوافق على حكم المساجد، ولم نخرج آنذاك رافعين شعارات المساجد. ولكنني أسألك بمنتهى البراجماتية عن نقدك لهذا، بينما لا يوجد مكان آخر لنخرج منه جميعًا.
 
- لماذا لا يريد العرب أن يضحوا؟! فليتجمعوا في مكان آخر! هل سيقتلون؟! فليقتلون! لا شيء بلا تضحيات.
 
كنت على وشك أن أقول له إن ذلك قد حصل فعلا، في بلاده وفي بلادي، ولكن أحدهم قد اقترب ليذكر أدونيس بالندوة، فأشار له أن ينتظر، وطفق يكمل:
 
- لم لا يفعل العرب شيئًا؟! حتى الاستقلال منحنا الغربي إياه، متى نكون فاعلين؟! طيب أنت تتكلم عن ثورة. الثورة هي الوعي، يمكن أن يأتي حاكم ويقوم بثورة، هل هذه هي الثورة؟ الموضوع ليس في تغيير أشخاص، الموضوع في تغيير نظام بأكمله..
 
- طيب، نحن في هذه النقطة الأخيرة غير مختلفين أبدا..
 
- ثم أي وعي هو؟ لقد صار الوعي ينحدر بين سنة وأخرى، ما الذي سينجم عن ذلك؟!
 
- حسنا، حدث منذ سنوات ست أن استضافني صديقي الكاتب السوري الكبير زكريا تامر في بيته بأوكسفورد، وشرح لي في ساعات طويلة المد الديني في سوريا الذي لم نكن منتبهين إليه كمصريين، أتفهم ما تقول، لكن، هل تجادل باستقرار ذات النظام الذي يجهل الناس سنة بعد أخرى؟!
 
نظر إلي وصمت. أكملت:
 
- نعم، يمكنني أن أفهم ما تقول عن المعناة والعذاب والثمن الذي يجب أن يدفعه العرب لتتحسن الأشياء، الموضوع حدث ويحدث فعلا، ولكن كل الاحتمالات السيئة التي نفكر فيها أنا وأنت هي جزء من هذا الثمن. أنا أفضل الحركة على الجمود، الحركة مهما كان اتجاهها، لا يوجد أسوء مما نحن فيه تحت حكم هؤلاء.
 
اقترب منه أحد المنظمين ثانية، استجاب اخيرًا وقال:
 
- اسمع.. لنا وقت نكمل فيه هذا الحوار.
 
- يسرني طبعا..
 
جلست وأخذت أسمتع للندوة، التي أدارها مولينييري، رئيس تحرير لاستمبا (ولمولينييري ولاستامبا حكايات يضيق عنها البيان هنا)، اسعفتني فرنسيتي الضعيفة في فهم بعض ما يقول أدونيس، والاعتراض على بعض ما يقوله أيضًا. ربما كانت نقطة السخرية الكبرى هي حين قال أدونيس إن المسلمين لم يقدموا شيئًا للعالم، أخذ يعدد الحضارات العالمية والدول، حتى أنه ذكر إسرائيل. لم يكن هذا هو الموضوع، الموضوع أن ينبري موليينيري نفسه ليقول، وهالة القديسين فوق رأسه، إننا لا يجب أن ننسى الأندلس. نعم، هو محايد جدا ووديع جدا.
 
على العموم انتهت الندوة، تصافحنا وقلت له إنني سأتركه لانشغالاته، قال لي إنه سيعبر بالقاهرة قريبًا، ولا بد أن نكمل هذا الموضوع. تركت القاعة ومضيت في طريقي، قد يضايقني منطق أدونيس كثيرًآ، ولكنني كنت أقول لنفسي إنني، أنا وادونيس، بعيدًا عن وقوفي في المظاهرات، والعدو هنا وهناك، مثقفان يتحدثان في غرف مغلقة. أتفهم ما يتخيله الأوروبيين في نظرة تقليدية عن الفنان والمثقف ومسئوليته الاجتماعية، وحديث ابن خلدون عن أهل السيف وأهل القلم، ولكننا الآن، في غمار كل ما يجري في بلده أو في بلدي، بحديثنا في قاعة مغلقة، عابرون في كلام عابر، على حد قول درويش.
 
مهما كان رأيه أو رأيي، فالمستقبل يرسمه من في الشوارع، من في المتاريس، أو هكذا نتمنى.
 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".