ANP - مئات الصحفيين المصريين يتظاهرون في مبنى نقابتهم - القاهرة 4 مايو2016

رشا عزب تكتب: تأميم الصحافة المصرية

ما جرى في أسبوعين للصحافة المصرية وبالتحديد من 4 مايو حتى الآن، يستحق التسجيل والتوثيق. فمنذ أن تحركت كرة الثلج وزاد حجمها إلى درجة أذهلت الصحفيين أنفسهم ، بدأت المعركة، لم تهدأ يوما، واجهت الدولة انتفاضة الصحفيين بكل الطرق، بداية من الطرق التقليدية بتأجير بلطجية لإرهابهم وصولا لِما أطلقت عليه "التأميم العصري للصحافة المصرية".

جرت هذه الوقائع المتدافعة كشلال لا يعرف احد نهايته.

1- في 4 مايو انعقدت أكبر جمعية عمومية في تاريخ نقابة الصحفيين منذ سنوات بعيدة، واتسمت بالقوة والتحدي الواضح لممارسات السلطة الحالية بما في ذلك تحدي للقيادة السياسية ، وهو أمر غير معتاد على أعضاء الجمعية العمومية للصحفيين.

2- بعد يوم واحد من الجمعية العمومية المهيبة، يخرج بعض رؤساء التحرير عن الإجماع ويعلنون اعتذارهم عن المشاركة في الجمعية العمومية بدعوى أنه تم تضليلهم لمعارضة النظام تحت دعاوى كرامة المهنة.

3- في 8 مايو الماضي بدأ تيار "التأميم" في التبلور والتكون، ويضم المذيعين التابعين لأجهزة أمنية وقيادات صحفية شابت في حب السلطة ولم يعد لها قراء أو مريدون، ورؤساء تحرير وصلوا لمناصبهم عبر صفقات رجال الأمن مع رجال الأعمال، يعقدون مؤتمر لسب الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين داخل مؤسسة الأهرام. بدا المؤتمر هزيلا لدرجة أنه صار مدعاة للسخرية. لم يؤد دوره المنوط به فصار كقزم يقف أمام جمعية عمومية مهيبة.

"واجهت الدولة انتفاضة الصحفيين بكل الطرق، بداية من الطرق التقليدية بتأجير بلطجية لإرهابهم وصولا لِما أطلقت عليه "التأميم العصري للصحافة المصرية."- رشا عزب

4- القيادة السياسية المطالبة بالاعتذار للصحفيين كما طالبت الجمعية العمومية تتجاهل المطالب وترسل مجموعات من أنفارها لمقايضة النقيب ومجلس النقابة، لكن اعتصام الصحفيين يحاصرهم ويقف بعض أعضاء المجلس كحجر عثرة ضد التنازل والتراجع عن مطالب الصحفيين.

5- في 8 مايو الماضي توقفت مؤسسة الأهرام عن طبع صحف 9 مايو (المصري اليوم- الشروق)، حيث التزمت الجريدتان بتسويد الصفحات الأولى احتجاجا على وضع الصحافة طبقا لقرار الجمعية العمومية، لكن مؤسسة الأهرام التي تبنت غضب الصحفيين في الأيام الأولى من المواجهة، غير رئيس تحريرها واجهتها وصارت رأس حربة لمحاربة الجمعية العمومية. فاضطرت الصحف لتغيير الصفحات الأولى السوداء ورفع لوجو "لا لحظر النشر".

6- في 10 مايو الماضي يزيل يحيى قلاش، نقيب الصحفيين، صورة نيجاتيف لوزير الداخلية من داخل مقر النقابة ثم يقابل وفدا من أعضاء مجلس الشعب للتشاور حول الأزمة، ويبدأ النقيب في التصريح بأن النقابة لم تشترط اعتذار الرئيس بل طالبناه بالتدخل لحل الأزمة، وتصريحات قلاش مخالفة لقرار الجمعية العمومية للصحفيين بشكل سافر.

7- في 10 مايو الماضي استرد مطار القاهرة بالقوة الجبرية أرضا مساحتها 24 ألف متر مربع قيمتها 800 مليون جنيه مملوكة لرجل الأعمال صلاح دياب مؤسس جريدة المصري اليوم. كان دياب ضمها لحيازته في 2011 دون سداد قيمتها للمطار!

8- في 11 مايو الماضي نشرت على صفحات جريدتها رسالة بعنوان "رسالة من مؤسس المصري اليوم"، حيث اعتذر صلاح دياب عن مساندة جريدته لموقف نقابة الصحفيين المطالب بعزل وزير الداخلية واعتذر الرئيس للصحفيين، وقال: كان لابد أن تدافع الجريدة عن المهنية بدلا من دفاعها عن موقف النقابة.

9-  في تصريحات صحفية قال صلاح دياب إن الجريدة غيرت عنوان مقالته من "رأي المصري اليوم" إلى "رسالة من مؤسس المصري اليوم". ثم توجه صلاح دياب لعقد اجتماع مع محرري الجريدة دون حضور رئيس التحرير أو مدير التحرير، ليقول للصحفيين الشباب إن موقفكم الداعم لموقف نقابة الصحفيين لا يجب أن يظهر في التقارير الإخبارية.

10-  في 15 مايو الماضي تنشر الصحف خبرا أن أحمد أبو هشيمة، رجل الأعمال المعروف "برجل الحديد الصاعد" والممول الرئيسي لحزب "مستقبل وطن" المحسوب على أحد الأجهزة الأمنية في البلاد، اشترى جميع أسهم قناة "اون تي في" بالإضافة إلى صحف معارضة مثل "صوت الأمة". وقال بيان "مجموعة إعلام المصريين" وهو نفس اسم مصانع " حديد المصريين" التي يملكها أبو هشيمة إن القناة تسعى لإدخال البرامج الترفيهية في القناة وعدم الاكتفاء بالمحتوى الإخباري والسياسي الذي كان طابعا مميزا لهذه القناة منذ سنوات. وبناء على ذلك لا يعرف مذيعي البرامج السياسية التي كانت تحمل طابعا نقديا للنظام مصيرهم وفقا للسياسة الجديدة للقناة.

الـ10 نقاط السالف ذكرها بهذا التتابع ليست محض صدفة. الرئيس الذي يرى دائما أن الإعلام ليس في صفه كما ينبغي، وأن هناك أصواتا قليلة لا تزال تقاوم وتنتقد ممارساته الجنونية في غلق المجال العام وتحريم السياسة على غير المؤيدين. هذا الرئيس الذي رأى أن مطالب الصحفيين في جمعية الكرامة تحديا واضحا لذاته المتضخمة، قرر تصفية ما تبقي فيما يطلق عليه "الإعلام المستقل" أو" الخاص" بمعنى أدق. وكان الثمن حصار نقابة الصحفيين والضغط على قلاش الذي تجاوزت مطالب جمعيته العمومية سقف أحلامه وإمكانياته السياسية والمهنية.

جملة صادقة في بيان إعلام أبو هشيمة جاء فيها أن "رسالة شركة إعلام المصريين الاستراتيجية في انطلاقتها الكبرى في مجال صناعة التليفزيون هي التأكيد على ريادة مصر في هذا القطاع، حيث كانت القاهرة مهد هذا الإعلام منذ ستينيات القرن الماضي". هم يريدون استنساخ " إعلام الستينات" بكل كوابيسه، صحافة تقول نفس العناوين وقنوات تقول نفس الخطاب ورجال إعلام لا ينطقون عن الهوى، بل ينطقون بما يريده الزعيم الملهم.

حين أراد عبدالناصر تأميم الصحافة في مطلع الستينات، كلف صحفيا مرموقا بتنفيذ هذه المهمة الشاقة، وأطلق هيكل على التأميم "قانون تنظيم الصحافة"، مدافعا عن حق الدولة في السيطرة على الإعلام رغم أن كل صحف المرحلة كانت تسبح بحمد عبدالناصر، إلا أنه أراد المزيد.

الآن، وحين أراد السيسي تأميم ما تبقي من الصحف المشاغبة، لم يجد هيكل أو كمثله. وجد من يعبر عنه أكثر من الصحفيين والكتاب، وجد رجال الأعمال المعبرين بضراوة عن نظام حكمه، لم يضطر إلى إصدار قرارات تأميم تبدو رجعية أمام العالم، يكفي أن يلاعب رجال الأعمال ويبلغهم ما يريد.

من المنطقي أن يقوم رجال أعمال بتأميم الصحافة بهذا الدور الذي يليق بمشير لم يشارك في حرب واحدة، وكل إنجازاته هي تحويل المؤسسة العسكرية إلى مؤسسة اقتصادية ربحية تتقاسم قوت البلد مع أبو هشيمة ودياب وغيرهم. هؤلاء هم شركاء الوطن الذي نحلم به. 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".