anp - من داخل المستشفى الجامعي في بودابست أثناء إجراء عملية زرع عضو بشري- أرشيف

وائل عباس يكتب: لصوص لكن أطباء

عام 1991 كتب الروائي الطبيب الأمريكي مايكل بالمر رواية اعتبرت نبوءة فيما بعد عن ازدهار تجارة الأعضاء في العالم. اسم الرواية "اكستريم ميجرز" أو تدابير قصوى، حققت أعلى مبيعات وقتها، ثم حولتها هوليود عام 1996 إلى فيلم بنفس العنوان، بطولة هيو جرانت وساره جيسيكا باركر وجين هاكمان.

يؤدي هيو جرانت دور طبيب طوارئ بإحدى مستشفيات نيويورك، يقوم بعلاج أحد المشردين الذي يكتشف أنه كان يعالج بمستشفى آخر لا يعرفه ويعاني من أعراض غامضة. ثم يموت الرجل المشرد ويبدأ الطبيب رحلة بحث لمعرفة قصته، ثم تختفي جثة وأوراق المريض، ثم فجأة تلفق له قضية مخدرات ويدان فيها ويفقد وظيفته كطبيب. ثم يكتشف هذا الطبيب عالم المشردين في نيويورك الذي كان منه المريض الغامض الذي مات، ليكتشف بالتالي وجود منظمة طبية بقيادة جين هاكمان تقوم بعمل تجارب على العمود الفقري والنخاع الشوكي للمشردين من أجل علاج الشلل للأثرياء.

أنتجت السينما المصرية أيضا عام 2013 فيلما بعنوان الحرامي والعبيط، حيث يتعيش البلطجي خالد الصاوي من بيع أعضاء المجذوب خالد صالح لأحد الأطباء الذين يعملون في تجارة الأعضاء. سبق فيلم الحرامي والعبيط فيلم الحقونا عام 1989 بطولة نور الشريف، عن سرقة رجل أعمال لكلية سائقه بعد أن اكتشف تطابق فصيلة الدم.

" انسحبوا من الشوارع، رفضوا العمل وامتنعوا عن كتابة المحاضر وقالوا للناس: خلي الثورة تنفعكم"- وائل عباس

نشرت جريدة الوفد بتاريخ 3 أبريل 2016 قصة السيدة زينب فتحي التي دخلت القصر العيني بكسر في القدم، لتخرج جثة هامدة بعد أن فقدت عدة أعضاء من تجويف الجثة بالإضافة إلى سرقة قرنيتها وهو ما اكتشفه الأهل في المشرحة. القصة عرضت أيضا ببرنامج العاشرة مساء. كما أذاعت قناة المحور في منتصف أبريل 2016 تقريرا عن شعبان الذي قام أحد أطباء مستشفى جامعة الاسكندرية بسرقة كليته بعد أن خدعه ليوقع على إقرار بموافقته على استئصالها.

عم حمدي مجذوب مدينة قنا الأشهر، كان يعمل بمصنع الغزل والنسيج بالمدينة، ثم دخل الجيش وهرب منه فحكم عليه بالحبس ثلاث سنوات، خرج من السجن مجنونا. عم حمدي عثر الأهالي على جثته في أكتوبر 2015 مخلية بمعنى الكلمة من كل الأعضاء، وملقاة في الزراعات الموجودة حول مدينة قنا. مديرية أمن قنا لم تفتح تحقيقا في الموضوع لأنه ببساطة لم يبلغ أحد بالواقعة.

نشر موقع فيتو بتاريخ 3 يولية 2014 تقريرا زعم فيه أن مصر تحتل المركز الثالث عالميا في تجارة الأعضاء، لكن لم يتسن لي التأكد من هذه الإحصائية التي لم يذكروا مصدرها. لم أجد إلا تقرير الخارجية الأمريكية عن الاتجار بالبشر وتحتل مصر فيه المركز الثالث فعلا.

على فيس بوك توجد صفحة بعنوان عاوزين حق رودينا، وتحكي عن طفلة (8 سنوات) دخلت مستشفى الطلبة بالاسكندرية تعاني من ألم بالمعدة، فعلقوا لها المحاليل لكن حالتها ساءت فأدخلوها العناية المركزة لتخرج جثة هامدة بجروح في الرقبة والبطن. وتقول الصفحة إن أعضاء الطفلة تم سرقتها.

جريدة الصباح بتاريخ 28 فبراير 2016 نشرت قصة ليلى، فتاة يتيمة من امبابة، تعرضت للاغتصاب وحملت فقررت أن تقوم بعملية إجهاض. العيادة التي قامت بإجهاضها سرقت كليتها، وعندما اكتشفت واجهتهم وطردوها ولم تستطع الشكوى للشرطة.

لكن هل الموضوع جديد على مصر وانتشر فقط مؤخرا؟

نشر موقع سودانيز أونلاين عقب مذبحة اللاجئين السودانيين الشهيرة في ديسمبر عام 2005 أنهم تلقوا جثث ضحايا المذبحة مخلية من الأعضاء. أحد اللاجئين نشر شهادته على الموقع أن بعض المصابين بعد أن رآهم بنفسه بصحة جيدة، وجدهم في اليوم التالي جثثا هامدة وتمت سرقة أعضائهم.

تقرير استقصائي باليوم السابع بتاريخ 31 أكتوبر 2011 تحدث عن عصابات لسرقة أعضاء الأفارقة المتسللين إلى اسرائيل عبر سيناء عن طريق عصابات تحتجزهم في مغارات. في التقرير يقول موظف مشرحة مستشفى العريش إن المستشفى أحيانا تصله أعداد من جثث الأفارقة المفتوحة أكثر من الطاقة الاستيعابية للمشرحة. ويتحدث عن حادث سيارة على طريق المهدية توفي فيه طبيب وجد معه ثلاجة صغيرة تحوي مجموعة من الأعضاء البشرية.

لاحظوا أن كل ما سبق هي حالات قتل عمد أو سرقة للأعضاء، وليس بيعا للأعضاء حتى مما يقوم به المحتاجون من أجل القوت، وهي جريمة أيضا، بعد إفقار النظام الحاكم للشعب ونزع كل حقوقه التي كانت مكفولة بالدستور الاشتراكي السابق في العلاج والتعليم والسكن والوظيفة. لكن ما نحن بصدد الكلام عنه هنا هو سرقة الأعضاء تحديدا ضد إرادة الإنسان وأحيانا بإنهاء حياته حتى لا يتحدث عما حدث له.

يتشدق النظام المصري الحاكم حاليا ومطبلوه ومهللوه بالأمن والأمان، بينما تمتليء الصحف بمثل تلك الأخبار البشعة، التي تتوارى منها خجلا أخبار سرقة السيارات المسلحة والسطو المسلح على المحلات التجارية والتثبيت في الشوارع وخطف الرضع والأطفال والكبار، وآخرها رجل الأعمال السعودي الذي دفعت عائلته للخاطفين خمسة ملايين. بينما فشلت عائلة الجراح الشهير في أن تفعل المثل فقتلوه.

في البداية كان انتقاما من الشعب على ثورته. انسحبوا من الشوارع، رفضوا العمل وامتنعوا عن كتابة المحاضر وقالوا للناس: خلي الثورة تنفعكم، ارتفعت رواتبهم وميزاتهم بشكل خرافي لم يكونوا ليحلموا به، تعهدت القيادة السياسية بحمايتهم من أي ملاحقة على جرائمهم السابقة والحالية والمستقبلية، واختفى كل الكلام عن التطهير وإعادة الهيكلة. هل تحسن الأمر؟ فشلوا حتى في حماية قلعتهم مديرية أمن القاهرة، فشلوا حتى في حماية نائبهم العام من الاغتيال، مع أن الحرب المعلنة لم تكن من أجل الشعب ولا ضد الجريمة التي تعبث بأرواح وممتلكات وأعراض المواطنين الذين يتلقون رواتبهم وميزاتهم من ضرائبه التي يدفعها للدولة مجبورا، لكنها حرب على الإرهاب المحتمل.

فجر اليوم، يوم كتابة هذه السطور، نشر النشطاء على فيس بوك قصة وصور شريف، المجذوب الذي يقيم أمام مسجد البدرشين، الذي حاولت إحدى عصابات تجارة الأعضاء اختطافه فقاومهم فتسببوا له في كسر بالجمجمة والذراعين، ورفضت مستشفى البدرين استقباله فنقله الأهالي إلى القصر العيني.

المواطن العادي لديه أشياء يخاف عليها وتحميها الشرطة في كل دول العالم متقدمة ومتخلفة على حد سواء طالما هي دولة، بيته وزوجته وأولاده، سيارته ووظيفته وسمعته، ربما لديه طموح مالي أو سياسي أو أدبي يكفله القانون أو يحرمه منه، لكن المشرد المعاق ذهنيا مثل شريف وعم حمدي لا يطمع ولا يطمح إلى أي من ذلك. لكن أهل الشر، وهؤلاء يختلفون عن أهل الشر الذين يتحدث عنهم السيسي دائما، أهل الشر هؤلاء وصل بهم الطمع أن يستخسروا في هذا المشرد صحته وسلامته وأعضاء جسده الداخلية. فمن أوصلنا إلى ذلك؟ واين نحن ذاهبون؟

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".