سالم أبوظهير يكتب: ليبيا.. القطاع الصحي مريض جداً/ 1

في أواخر شهر مارس لهذا العام، صدر تقرير مهم عن المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات تناول قطاع الصحة الليبي، وكشف جانباً من الواقع المؤسف الذي يعاني منه هذا القطاع، مستعرضاً بعض التحديات التي تواجهه وتمنعه من أن يتعافى بسرعة. ويكتسب التقرير أهميته كونه يقدم تفسيراً لبعض الإخفاقات التي تعرض لها القطاع، ويفسر فشله في تحقيق أبسط متطلبات الصحة الأولية للمواطن، رغم وجود وزارات للصحة ميزانياتها بالمليارات، فيعرض ويستعرض ويقيم واقع الصحة في ليبيا بلغة أرقام موثقة تفتقر إليها معظم التقارير الصادرة بالخصوص من قبل.

بعد ثورة (سبعطاش) فبراير 2011، وجد الفساد بمختلف أنواعه وضروبه التربة صالحة جداً ليترعرع وينمو، تسقيه الفوضى العارمة، وتحميه المليشيات المسلحة، وترعاه ليؤتي أكله على أكمل وجه. بعض ممن لا وطنية لهم استلموا إدارة مؤسسات خدمية مهمة، فجعلوا المواطن الليبي ضحيتهم وشاهداً على فشلهم وفسادهم. ويعد قطاع الصحة في ليبيا من أهم القطاعات الخدمية التي أصابها وباء الفساد في مقتل، فعلى مدى سنوات قصيرة من بداية 2011 وحتى الآن، لايزال النهب مستمراً بالمليارات في هذا القطاع، ولاتزال الدولة بسلطتها وسطوتها غائبة بشكل كامل عنه، فلم يسمع للجهات المحاسبية سوى جعجعة إصدار التقارير عن بعض جرائم التزوير والنصب، تنشر أحياناً على استحياء وتختفي، والمواطن في انتظار أن ينتج عن هذه الجعجعة دواء صحي متوفر، أو سرير نظيف في مستشفى.

يقول التقرير إن المرافق الصحية في ليبيا تضاعف عجزها بسبب التدهور الأمني والصراعات المسلحة، التي عطلت معظم الخدمات التي تقدمها هذه المرافق التي أغلق معظمها، كما أدى هذا الانفلات الأمني  إلى هروب معظم العمالة الأجنبية وعودتهم لبلدانهم، خاصة الأطباء والممرضين والفنيين منهم، وتوقفت بعض المرافق الصحية  جزئياً عن العمل. ويقدر التقرير أن في ليبيا 120 مستشفى عام وعيادة طبية، وتفتقر كلها إلى التجهيزات والصيانة والمستلزمات الطبية المفترض توافرها، وأن هذه المرافق احتاجت في عام 2015 إلى 219 مليون دينار ليبي لتجهيزها بشكل مناسب، ولكن المصرف المركزي  لم يقدم سوى 147 مليون دينار، وأن 6 مليار دينار سنوياً هو إجمالي ما ينفق على القطاع الصحي، وأن الجزء المهم من هذه المليارات يذهب كمرتبات، والجزء المهم الآخر من هذا الرقم ينفق على صيانة المباني والمعدات الطبية، وتنفق الدولة من خزينتها مليار دينار سنوياً للعلاج في الخارج، بينما يصرف الليبيون 5 مليارات سنوياً من جيوبهم للعلاج في دول الجوار فقط.

أورد التقرير أيضاً أن الدولة الليبية صرفت خلال ثلاث سنوات مضت 2.3 مليار دينار من أجل توفير الدواء والمستلزمات الطبية، ورغم ذلك لايزال هنالك نقص حاد جداً في الأدوية المدعومة، وأن ميزانية جهاز الإمداد الطبي المختص بتوفير الدواء المدعوم للمستشفيات 700 مليون دينار ليبي، بينما تبلغ الديون المستحقة عليه من الشركات الخاصة الموردة للدواء 1.4 مليار دينار خلال العام الماضي فقط، وأن المبالغ المنفقة على دعم الأدوية لا تقابلها خدمات تعادل هذا الإنفاق، والسبب هو ضعف كفاءة وفاعلية الإدارة الدوائية في ليبيا التي ساهمت في استفحال الفساد في هذا القطاع.

التكدس الوظيفي في قطاع الصحة يعد من أخطر التحديات التي تواجهه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نفقات مرتبات العاملين فيه بشكل مخيف، والسبب في ذلك عدم التقيد بقانون علاقات العمل الصادر في 2010، والذي يحدد ضوابط التعيين، فتجاوزت التعيينات في هذا القطاع - بحسب التقرير - 107%، خاصة وأن جل هذه التعيينات في وظائف إدارية ولا تشمل الفنيين والممرضين والأطباء. ويضيف التقرير أن هنالك تعيينات لأسماء وهمية ولا وجود حقيقي لأصحابها، فقد وجد ما يقارب عن 22.436 رقم غير مطابقة للرقم الوطني، وأكثر من 7.342 حالة ازدواجية في العمل، ويتوقع أن تصدر قرارات بتعيين موظفين جدد مما سيزيد من تكدسهم بالوزارة، خاصة وأن هذه الأرقام كما يؤكد التقرير تفتقر للدقة الكاملة حتى وإن صدرت عن جهات مسؤولة بسبب عدم وجود بيانات موثوق بها من قبل ثورة فبراير ناهيك عن ما بعده.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".