anp - قوات الأمن المصرية تتجمع بكثافة في محيط مبنى نقابة الصحافيين - مظاهرات 16 أبريل 2016

رشا عزب تكتب: مكاشفات ضرورية حول ما جرى في جمعة الأرض

تموج الساحة المصرية الآن بتفاعلات تبدو مثيرة، خروج بعض الناس للشوارع غير خائفين من آلة القتل والخطف والتعذيب التي يركبها نظام السيسي من 30 يونيه 2013 ويدوس بها على رقاب العباد. هو أمر يستحق الرصد والمتابعة.

السيسي الذي بدأ عصره بمذابح جماعية للمتظاهرين المعارضين، استكمل مشواره خلال سنوات ثلاث لذبح الفقراء بزيادة أسعار السلع والأدوية الحيوية، وزيادة أسعار الخدمات والمرافق، وانسحاق تام للجنيه وطغيان مرير للدولار على حسابه. ومع ذلك الذبح مستمر والضحية تموت كل يوم ليخرج من رحمها ضحية جديدة لتموت في اليوم الجديد. وفي خلفية الصورة الدموية البشعة يقف إعلام المخابيل يهلل لمزيد من الدماء التي تراق ليحيا وطن الدبابة على جثة المواطن التعس الذي يتنكر للإنجازات العظيمة للرئيس المفدى.

"استلهام شعارات وروح يناير ومعارك محمد محمود المخلصة ضد الفاشية العسكرية والدينية، لا بد أن تفرض نفسها قبل فوات الأوان" - رشا عزب

ومع ذلك خرج بضعة آلاف يهتفون "يسقط حكم العسكر" و "ارحل" في ساحة نقابة الصحفيين بشارع من أهم شوارع الحراك السياسي في مصر قبل اندلاع ثورة يناير 2011. بل إن شارع نقابة الصحفيين هو أول شارع في مصر خرج منه شعارات مباشرة ضد مبارك ونظامه.

عاد بضعة آلاف هذه المرة وسط تساؤلات حقيقية ومضطربة حول دول أجهزة أمنية في ما يحدث في الشارع، ودور الإخوان في تأجيج مشاعر الغاضبين. وهل ما جرى تحركات بريئة وعفوية لشارع يعبر عن رأيه في الكوارث التي لحقت به جراء سياسات السيسي أم قلة مأجورة تحركها مصالح مختلفة هدفها التخلص من السيسي وجناحه الفاشل في السلطة؟

هي أسئلة شرعية بالمناسبة وتخوفات منطقية بعد ثورة كبرى، ركب على عفويتها الإخوان تارة والعساكر تارة أخرى ولم يتبق سوى صور شهداء صعدوا في أوج انتصار الثورة الحالمة وصور معتقلين آمنوا أن الحلم لا يزال ممكنا.  

في صباح الجمعة 15 أبريل الماضي، نزلت من منزلي ولم أحسم الجدل في رأسي حول مشاركتي في جمعة الأرض، ولم أرِد أن أشارك حيرتي سوى مع أصدقائي القريبين. لم أشارك في الجدل الدائر على الانترنت من أهمية المشاركة من عدمها، لأني لم أحسم موقفي.

مبدئيا الدعوة إلى جمعة الأرض كانت دعوة مجهولة المصدر في البداية حتى تبناها عدد من الحركات السياسية والأحزاب ومن بينها حزب الدستور، وتابع الجميع باندهاش أن حركة "تمرد" على تويتر، والمعروفة بانحيازها لتحركات الأجهزة الأمنية وسياسات النظام، تدعو للتظاهر، ثم خرج مؤسسو "تمرد" لنفي هذه الدعوة، واتضح أن هناك انشقاقات جديدة في صفوف الحركة التي تبعثرت أوصالها ليتحكم فيها فرع "الأجهزة الأمنية".

ولكن الدعاية ضد جمعة الأرض بدت متناقضة، مؤيدو النظام يقولون إنها ممولة من أعداء مصر والإخوان، رفاق الثورة يقولون إن المخابرات ساهمت في الدعوة، وزاد الطين بلة أن الإخوان أعلنوا المشاركة قبل ساعات فقط من جمعة الأرض. إذن إنها جمعة محاطة بالشبهات من جميع الجهات. ولكن هناك شيء ناقص في هذه الصورة.

وفي لحظة ما قررت المشاركة لكسر الجدل المحتدم في رأسي. ربما بدافع عاطفي أكثر مما هو سياسي، وبالمناسبة هذا حال كثيرين ممن شاركوا في جمعة الأرض، الأرض التي حركت الكثيرين، لكن الهتافات التي تعالت لم تكن لتيران وصنافير فقط بقدر ما استهدفت شعارات أكثر وضوحا للنيل من النظام، ليعود شعار الثورة الأزلي "الشعب يريد إسقاط النظام".

اذن العاطفة هي محرك أساسي لمشاركة الغالبية في جمعة الأرض كما شعرت، الحنين لصوت الجماهير الهادر، الرغبة في الاحتماء بالجموع من جديد بعد سنوات الوحدة المقيتة، تلامس أكتاف المتضامنين الغاضبين ضد سرقة الأرض والعرق والدم والحلم. هي أشياء افتقدناها نحن المهزومون مرحليا، ونعوذ بها من شرور السلطة وسيئات أعمالها. وحين نزلت بحثت بإبرة عن وجوه الإخوان التي نعرفها وتحركات الأجهزة الأمنية التي نشمها.

وفي حقيقة الأمر، وحين نزلت للمشاركة قابلت وجوها أعرفها تمام المعرفة، بل قابلت وجوها قديمة لم تشارك في أي حراك سياسي منذ السنوات الأولى للثورة.

مرت أحداث اليوم، لم أشاهد صورة لمحمد مرسي أو علامة رابعة، ونعرف جميعا أن الإخوان حين يشاركون، يفرضون وجودهم على الحاضرين. إذن دعوة الإخوان للمشاركة تبين أنها وهمية وصادرة عن فصيل منشق ومهزوم داخل الجماعة وتتهمه قيادات الإخوان بأنه يتبع أحد أجهزة الأمن أيضا.

السؤال: هل تحارب الأجهزة السيادية بعضها الآن في شارع عبد الخالق ثروت على جثة متظاهرين صادقين وهتافات تخرج من قلوب الناس قبل حناجرهم؟

قوات الأمن المركزي متحفزة ومسيطرة على مداخل ومخارج الشارع وتستطيع سحق المتظاهرين في دقائق لو أرادت، وسينتج عن ذلك مجزرة كبيرة بلا شك، هل يتحمل النظام الآن جريمة جديدة لقتل مصريين نزلوا للدفاع عن أرض مصرية.

اتضح في نهاية اليوم أن هناك مساحة متاحة وصغيرة ليتنفس فيها الغاضبون هو شارع نقابة الصحفيين بعد فض كل مظاهرات الأحياء، وأن هناك موعدا لن تتنازل عنه أجهزة الأمن لفض المظاهرة بالغاز المسيل للدموع. وعلى الرغم من إلقاء القبض على المئات والإفراج عن غالبيتهم، إلا أن النظام لن يتنازل مطلقا عن تلفيق قضية لـ25 شابا في القاهرة و9 شباب في الاسكندرية وطلاب من جامعة طنطا، وغالبا سيتحمل هؤلاء الشباب المسئولية الجنائية عن اليوم، فلا تظاهر في مصر بلا ضحايا، ولا هتاف ضد السيسي دون حساب.

"دعوة الإخوان للمشاركة تبين أنها وهمية وصادرة عن فصيل منشق ومهزوم داخل الجماعة"- رشا عزب

لكن يبقى أن نرصد التالي:

1- أجهزة الأمن المصرية استطاعت فض مظاهرات الأرض دون قتيل واحد، لأن السلطة السياسية أرادت ذلك بوضوح، وهذا يعني أن كل تصرفات الأجهزة الأمنية التي نتج عنها القتل الجماعي للمتظاهرين تتحمله القيادة السياسية التي أرادت قتل الناس.

2- إن كان هناك صراع بين أجنحة السلطة، فهذا لم ينتج عنه غضب جماهيري مطلقا، أجنحة السلطة لا تعرف طريقا للتغيير سوي الانقلاب واللجوء للسلاح.

3- أجنحة السلطة يمكنها استغلال وركوب غضب جماهيري قائم بالفعل كما حدث في 30 يونيه، ولكنها لن تصنعه مهما فعلت.

4- إن استلهام شعارات وروح يناير ومعارك محمد محمود المخلصة ضد الفاشية العسكرية والدينية، لا بد أن تفرض نفسها قبل فوات الأوان، وإلا سنجد أنفسنا أمام إعادة استنساخ للمولود المبتسر المعروف باسم "ثورة 30 يونيه".

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".