anp - الرئيس السيسي في قمة شرم الشيخ - 20 فبراير 2016

محمد علاء الدين يكتب: "خالد علي" رئيسًا لمصر

ما فعله خالد علي في جمعة الأرض يجعلني أفكر: إذن يمكن لهذا السياسي الشاب أن يكون رئيس جمهورية يوما ما.

أراد السياسي حقن الدماء، وأرادت السلطة فض المظاهرة. التقت الإرادتين، وتناغمتا وأثمرتا عن موقف وسطي: فض التظاهرة ولكن بعدما أثبتت وجودها، اعتقال خمسة وعشرين شابًا ولكن لم يمت أحد. كان خالد يعبر أمامي مغادرا الجمع، متحملا شتائم من كل حدب وصوب، يلتفت لأحدهم ويقول بعصبية  "لا تزايد علي"!

نعم، غادر السياسي أرض المعركة بعدما حسب أرباحه، ولم يقعد البطل في وسط رفقائه الثوار. خالد ليس بطلًا، صحيح أن وجوده كان يحول بين الأمن والمتظاهرين، إصابة أو مقتل أو اعتقال خالد كانت ستصنع المانشيتات في مصر، وبالتالي في الخارج، وليس في مصلحة السلطة هذا وفرانسوا أولاند على الأبواب، ولكن ليس كل شيء بهذا الحسم، ماذا لو تكاثرت الجموع وقررت الاقتحام والمسير لميدان التحرير، ماذا لو قررت الاعتصام في بقعة حيوية ستضايق حتمًا مرور المدينة في أيام عمل جادة. كان من الممكن بالفعل أن يعتقل، أو يصاب، أو يموت خالد وبعض ممن معه، أو بعض كثير ممن معه.

كتب الصحافي المصري خالد البلشي أن سبب تحبيذهما خيار الرحيل، هو وخالد، أنه إن مات أحدهم، فسوف يجبن الناس عن النزول ثانية. حسنًا، بعض البراجماتيين قد يختلفون تمامًا مع هذه الرؤية، ولكن رايات الأخلاق سترفع: السياسيون الذين يتاجرون بدماء الشهداء، أو من ينتظرون دماء الشهداء. حسنًا، خالد سياسي هو الآخر، ولكنه سياسي حذق.

برز كمحام حقوقي، المدخل المعتاد لنجوم اليسار المصري، زاد من نشاطه بعد الثورة لحد ترشيح نفسه رئيسًا للجمهورية، وكان كاتب هذه السطور من منتخبيه المئة ألف. شارك في معارضة السلطة حتى انخرط في 30 يونيو، ولكنه سرعان ما استعاد راديكاليتيه في وجه الدولاتيين القدامى، وصارت سياسته، أو هي دبلوماسيته، التي اعتمدت على أمثلة خطابية، مثل الصياح بسقوط حكم العسكر في الأوبرا حينما كانوا يكرمون الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم. تضايق منه بعض أصدقائنا المشتركين، ثم نعتوه بما نعت هو بعض الناس في يوم جمعة الأرض: هذه مزايدة.

ولكن، من أكثر من المزايدين، الراديكاليين، من يستطيعون تسويق التنازلات الصعبة؟ أثبت الرجل، في هذه الجمعة، أنه رجل دولة يعتمد عليه، رجل منضبط، له تأثيره سواء في إذكاء المظاهرة أو في فضها. رجل انتهج الهدوء في مقابل الغضب، وانتقل بكل خفة ورشاقة من صياح ثوري إلى بيان إصلاحي. لم يخبط خالد رأسه في الحائط، أو هو لم يخاطر بفعلها.

ووجدتني أفكر في أمثلة مثل ليخ فاونسا. لولا ديسيلفا. نعم. لم أكن متفاجئًا حين روج أحمد شفيق نفسه باعتباره لولا دي سيلفا: يبدو لي أحيانا وكأن الصراع ما بين أجنحة الدولة المصرية يمكن تلخيصه، بشكل أو بآخر، ما بين مؤيدي تجربة البرازيل، تلك الليبرالية المتوحشة التي قادها- أو موه عليه- اليساريون، وبين محبذي ليبرالية الصين ذات النهج الآسيوي، مثلما يصفونها في الغرب.

دعني أقول لك إنني أظن، منذ كتبت هذه السطور إبان طلب السيسي تفويضه، أنني أراه كبينوشيه، بينوشيه سوف يفقد آخر مبررات وجوده مع تمرير قانون الخدمة المدنية، الذي سيفتح الطريق متسعًا للتخلص من خمسة ملايين مواطن مصري، ووراءهم 20 مليونًا آخرين تقريبا، ربما يبقى ليواجه التبعات الصعبة لهكذا قرار، أو لا، هي قدرته على المناورة وحيدًا هنا. وبالمضي قدمًا في هكذا تغير، فسوف تتوافر مصر كسله لعبيد الإمبراطورية الرومانية الجديدة، ربما تصبح الخمسون دولارًا مرتبًا يتقاتل الناس عليه، بعدما ماتت، ودفنت سنوات الميري.

 وعندما يهدأ كل شيء، ونعرف من الفائز بالكعكة، الجيش أو الكارتيلات الدولية، وبصرف النظر عن ناتج هذه المعركة، دعونا نفتح صفحة جديدة، صفحة نستمتع بها بـ”المعجزة المصرية” (على نمط المعجزة الشيلية)، وأرقام النمو الكبير،  وبالنظر في ناتج هذه المعركة: قد يكون القادم عسكريا، وقد يكون مدنيًا.

وإن كان مدنيًا، من أفضل من مناضل ما يزال شابًا، سيكون خالد في الرابعة والخمسين تقريبا بعد عشر سنوات، مناضل قديم وشاب، هتف دائمًا بسقوط العسكر، وهتف دائمًا بحياة الشعب، والأهم: يمكنه أن يكون رجل دولة. طبعة ذكورية من ديلما روسيف، أو طبعة شابة من لولا ديسيلفا.

وعندما قرأت اليوم خبر لقائه بأولوند، بناءً على طلب هذا الأخير، قلت لنفسي: لِمَ لم أتعجب؟!

قد يكون خالد علي أوباما المصري، في أرض أدمنت أن تعطي مُلكها لأبعد من يتوقع الناس. قد تتعدي وعوده الحقائق أو قد تتعدى الفارق ما بين الرجاء والكذب، ولكن، قل لي بربك: من سوف يرفض انتخاب أوباما. من سوف يرفض الابتهاج الهستيري بأوباما.

قل لي بربك، مَن مِن السياسيين سيرفض أن يكون أوباما؟!

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".