anp - سيدة مغربية تدلي بصوتها في انتخابات 25 نوفمبر 2011 (أرشيف)

علي أنوزلا يكتب: التزوير "الذكي" القبلي والبعدي للانتخابات في المغرب

منذ سنوات لم يعد المغرب يٌتهم بتزوير الانتخابات كما كان يحصل في الماضي عندما كانت الإدارة تتدخل بشكل سافر لمنع مرشحين، أو منع ناخبين من الإدلاء بأصواتهم، أو توجيه الناخبين للتصويت لمرشح معين، أو ملء صناديق الاقتراع بالألوان التي ترجح كفة مرشح الإدارة، أو بكل بساطة عدم الاكتراث بعد أصوات الناخبين وإعلان فوز المرشح المحظوظ الذي كانت تختاره الإدارة لتمثيل الشعب في مؤسساتها.

ومن أجل تحقيق ذلك كانت الإدارة تلجأ إلى التزوير وتتعمد عدم الشفافية، وتستخدم أحيانا العنف من أجل فرض مرشحيها. وكل هذه الأساليب كانت تجر على السلطة في المغرب الكثير من الانتقادات الخارجية، وكان من السهل تصنيف المغرب ضمن الدول غير الديمقراطية.

اليوم، أغلب هذه الأساليب "البالية" كادت أن تختفي من المشهد المغربي، فالاقتراع  يجري في شفافية تكاد تكون شبه تامة، وتدخل الإدارة لم يعد سافرا مفضوحا كما كان في السابق، كما أصبحت حرية الاختيار متاحة نسبيا أمام الناخبين الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع.

لكن، هل هذا يعني أن المغرب أصبح دولة ديمقراطية؟ إن الديمقراطية لا تقاس دائما بالانتخابات التي ليست سوى آلية من آلياتها، وعندما لا تكون هذه الآلية سليمة فإن الهدف لا يكون صائبا. فأخطر من تزوير الانتخابات اليوم هو تنظيمها بطريقة تكاد تبدو شفافة لا يمكن الطعن في نتائجها. وهذا ما نجحت في تحقيقه السلطة في المغرب، فالقليلون، بمن فيهم حتى المتنافسين في هذه الانتخابات ممن لا يحالفهم الحظ فيها، يطعنون في نزاهة وشفافية عمليات الاقتراع.

فهل هذا يعني أن الانتخابات في المغرب أصبحت نزيهة؟ إن من يذهب إلى الإجابة بنعم عن هذا السؤال يغفل جانبا مهما من الإعداد للعملية الانتخابية التي يختزلها في عملية ويوم الاقتراع. فالتزوير الحقيقي والخطير للعملية الانتخابية لا يحدث يوم الاقتراع أو عند عد أصوات الناخبين، وإنما هو تزوير قبلي، وتزوير ذكي يكاد يكون غير مرئي، يعطي للسلطة وإدارتها القدرة في التحكم في نتائج العملية الانتخابية وتوجيهها حسب ما تستهدفه من ورائها.

هذا التزوير الذكي يبدأ من تحديد نمط الاقتراع، والتقطيع الانتخابي للدوائر الانتخابية، والتحكم في تسجيل وتحديد لوائح الناخبين. وقبل ذلك في الترخيص للأحزاب ووضع شروط مقيدة لحرية المرشحين المستقلين، وأخيرا الاحتفاظ بتفاصيل أرقام العملية الانتخابية. وليس خافيا على أحد في المغرب أن من يحتكر كل هذه المراحل من "الإعداد" للانتخابات هي السلطة ممثلة في وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية.

"الديمقراطية لا تقاس دائما بالانتخابات التي ليست سوى آلية من آلياتها، وعندما لا تكون هذه الآلية سليمة فإن الهدف لا يكون صائبا"- علي أنوزلا

كل هذه العلميات "التحكمية" هي أنواع من "التزوير" غير المرئي للانتخابات، لأنها تسهل على السلطة وإدارتها التحكم القبلي في النتائج التي تسعى إلى الحصول عليها من ورائها.

وحتى إذا ما سمحت هذه الآلة الانتخابية التحكمية في حصول بعض المفاجآت، تتدخل عملية التزوير البعدي للسلطة، للضبط والتحكم، وذلك من خلال التوجيه والضغط على "كبار الناخبين" لتشكيل المؤسسات والمجالس المنتخبة (البرلمان والهيئات المنتخبة). وأخيرا من خلال عملية الضبط التي يقوم بها ممثلو السلطة غير المنتخبين وأجهزتها، للتحكم في المنتخبين وتقييد سلطاتهم والتطاول على اختصاصاتهم. يبدأ ذلك من تقييد أو مصادرة صلاحيات رئيس جماعة قرية صغيرة منتخب من طرف "قايد" مٌعين، إلى احتكار صلاحيات رئيس الحكومة المنتخب من طرف الملك الذي لا يخضع للانتخاب أو المحاسبة.

لذلك يطرح السؤال: ما الفائدة من الانتخابات في المغرب اليوم إذا كانت النتيجة واحدة ألا وهي التحكم؟ ربما قد يكون جزء من الجواب عن هذا السؤال هو الذي يجعل الكثيرين في المغرب يعزفون عن الانتخابات لأنهم لا يثقون في نتائجها ولا يؤمنون بجدواها. لكن، بالمقابل، فإن المدافعين عن الانتخابات بكل مساوئها يرون فيها أملا لهزيمة آلة التحكم والفساد ليس بالضربة القاضية وإنما بالنقاط. وما بين الفريقين يوجد انتهازيون ووصوليون همهم الوحيد هو الاستفادة من ريع الانتخابات حتى لو كان ذلك على حساب كرامتهم وذممهم، وهؤلاء هم الناخبون الصغار الذين يبيعون أصواتهم مقابل سد رمق جوعهم اليومي، والناخبين "الكبار" المستعدين لبيع الوطن من أجل مقعد أو منصب يمنحهم سلطة وهمية تمكنهم من سرقة أرزاق العباد ونهب مٌقدرات البلاد. وهؤلاء أخطر على الديمقراطية من السلطة نفسها التي تزورها. فهم مثل دابة "الأرضة" تسكن العصا وتنخرها من الداخل في نفس الوقت إلى أن تتهشم فتصير ترابا منسيا.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".