مقاتلون في سرت
ANP - مقاتلون في سرت

صالح قادربوه يكتب: سرت.. واسطة العقد

يحلم الليبيون اليوم بمعركة كبيرة توحدهم على العدو الأول والأخطر في سرت، تكون بمثابة معركة (القرضابية) الثانية، بعد قرن كامل من تلك الموقعة الشهيرة ضد جيش إيطالي مجهز، هزمه توحد أبناء ليبيا على هدف واحد؛ هو الذود عن بلادهم معاً حتى وإن اختلفت جهاتهم وتنوعت قبائلهم وتكاثر عدد وعتاد عدوهم.

لا شك أن الليبيين اليوم مقسمون بشكل لم يتخيله أكثر المتشائمين، بل حتى الحوار فيما بينهم لم يخل من التحايل والألاعيب وخطف المكاسب بعيداً عن فكرة الأمة وقدسية الوطن. لكن هناك فرصة أخيرة لأن يوحدهم شرف تطهير ليبيا من غزاتها الجدد، الذين احتلوا مناطق مهمة من البلد، وجعلوا سكانها الأصليين رعية تعاقب إن لم تخضع، بمرأى ومسمع من باقي مناطق البلاد التي يسيطر على بعضها هؤلاء وعلى بعضها الآخر أولئك، طبعاً مع عدم المساواة بينهما، لكن سيتساوى الجميع في مصير التعاضد لتحرير ما تم احتلاله من جسد وطنهم؛ شرط ألا تكون تلك أيضاً جولة أخرى للمتاجرة والانتهاز الرخيص.

قام الإيطاليون بعد الهزيمة النكراء في (القرضابية) بالانتقام من أهالي سرت قتلاً وتعذيباً ونفياً، وامتلأت الطرق بالجثث والبحر بالغرقى فراراً من المذابح، ببشاعة غير مستغربة من جيوش الأنظمة الفاشية عبر التاريخ، لكن أهالي سرت اليوم قد ذاقوا ويلات هذا الانتقام قبل وقوع تلك المعركة التي يحكي عنها الجميع، يترقبونها ويتحفزون لها، رغم أن لا شيء حتى الآن قد تحقق من وعود انعتاق المدينة وساكنتها. صبر ثقيل وإباء يدعو البعض للفرار بذريته خوفاً أن يتم امتهانهم، وخشية على الشيء الوحيد الذي مازال الليبي يملكه ولا يستطيع أحد أن يسلبه إياه إلا بإرادته: شرفه. أما حلم الجنة الموعودة فقد خطفه السراق والساسة، وحولوه لجبانة كبيرة دفنوا فيها شباباً كان لوجودهم أن يحقق النماء، بدل الكراهية والعنف والدماء!

"الليبيون اليوم مقسمون بشكل لم يتخيله أكثر المتشائمين، بل حتى الحوار فيما بينهم لم يخل من التحايل والألاعيب وخطف المكاسب بعيداً عن فكرة الأمة وقدسية الوطن."
 

المدينة التي تعرضت للدمار والسرقة والتنكيل بدعوى تحريرها من زمرة القذافي، شرعت في التعافي رويداً لكنها وقعت في حفرة الدخلاء، بعد أن تخلى عنها الجميع في حمى التحارب والاستقطابات.. هي المدينة التي ستزهر من جديد بأمل وحدة الأمة، وستكون منارة الاهتداء ولم الشمل إن أيقن الليبيون بأن أمهم هي ليبيا حقاً، وأن ميدانهم الموحِّد هو سرت، واسطة عقد خارطة ليبيا، والعمود الفقري الذي ينبني عليه الشرق والغرب، ويركزه الجنوب العظيم.

لا يبدو أن مجلس رئاسة الوفاق يجعل تحرير سرت أولى أولوياته بعد، وقد يكون ذلك ممتداً خلال أشهر لاحقة من مسيرة هذا المجلس وحكومته التي لم تنل الثقة بعد، وربما لن تنالها، رغم أن الأهم هو نيل ثقة الشعب لا المجتمع الدولي ومجموعة الحوار الهانئة، وإن كان ذلك كذلك وتحقق هذا الحدس الذي ليس أمنية بل هو كابوس نرجو ألا يصح؛ فربما يكون في رمل الدرة المتوسطية الناصع البياض ما يخبئه من وعد بالانتفاض، لعله يحرض رميم المقاتلين في الساحات الخطأ على التوحد في ساحتها الطاهرة، وفاء لأجداد لم يهابوا القوة والبطش الدولي، وكتبوا سطراً في سفر المجد لم يحقق بعد أحد من خلفهم حرفاً منيراً مثله، وإن لم يتمثلوا دروس الماضي فلن يفلحوا لا في كتابة حرف ولا في البقاء كنقطة في حرف، وستمحوهم الريح في أول نفخة، ولن تقبل حتى الأرض أن تغطي سوءاتهم، ولن ينالوا حتى مرتبة الغراب!

ستبقى سرت حية، وأهلها أحياء، حتى وإن قتّلوا جميعاً، فالموتى ليسوا هم.. فليتدبر من يتدبر، والمجد لنساء سرت، وأطفالها، ورجالها الذين لم يكفروا بليبيا، وبالخلاص الذي سيأتي به الله، وإن أبى إخوة الدم والأرومة، ومن هناك ينبجس الإباء.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".