anp - البحث عن كتاب في اليوم العالمي للقراءة

خيري الفخراني يكتب: في انتظار الهدنة القادمة

مع حلول العام الثالث للثورة، كنت قد اكتفيت! واتخذت قرارا بالصمت، فقط أريد بعض الراحة، أريد أن أطفئ الأنوار وأنام لسنة أو سنتين، دون أن يزعجني أحدهم بشيء، يتعلق بالسياسة أو الثورة وتوابعها. كنت قد زهدت في كل شيء،  واستولت علي عقيدة مشئومة لم تزل بعد، وهى أن الحق لا ينتصر أبدا، ودماء من يموتون تذهب هباء، والغد أسوء من اليوم دائما.

والحق أن هذا ما علمته إياي تجارب شبابي البائس بتلك البلاد. فالدولة والحكومة والحريات، كل هذا محض هراء وعبث وموت، لم أعد أريد منه شيئا. فقط كل ما كنت أبتغيه هو بعض الراحة. ولكن ترى أين أجدها؟ فأين للمرء أن يذهب إذ نبذ السياسة، أين يختبئ؟ ما حيلته إن أغلق بابه! وجاءت هى إليه دون أن يذهب هو إليها.

بعد تفكير مضن.. اتخذت قرارا بالترحال بعيدا، فارا من العائلة والأصدقاء والعالم أجمع، حتى دراستي التي لم أكن قد استكملتها بعد. ولك أن تعلم صديقي القارئ، أني سافرت داخل حدود القاهرة وليس خارجها، فتلك رفاهية لم أمتلكها بعد، والحق أنه لو كان ميسرا لي ذلك آنذاك ما ترددت البتة. وبينما كنت في طريقي مرتحلا، شرعت في بناء قواعد عالمي الخاص، والذى زج بي إلى داخله، ربما على غير شعور مني، وربما بملء الشعور والإدراك. لكن المهم الآن هو عمل هدنة مع النفس لبعض الوقت.. وليكن شهرا!

كانت أولى القواعد ترتكز على مفهوم صوفي بعض الشيء، وهي اللحظة الراهنة، وهى باختصار أن تعيش الآن للآن وحده. فقررت أن أنقطع عن التفكير في الغد والمستقبل تماما، نحيت كل الأحلام جانبا، وعزمت على أن أنعم بكل ما هو متاح لدي الآن لا أكثر. وسرعان ما أرسيت تلك القاعدة  وقررت فعل كل الأشياء البسيطة، ذات الحضور الحقيقي بالنسبة لي، كالقراءة مثلا.. فجلبت كل ما يكفي حاجتي من الكتب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السينما والموسيقى ملاذي الأول والأخير. فقد رافقني "اللاب توب" الخاص بي والذي يحمل الكثير منهما. كذلك وجدتني لا إراديا أعمل بأولى نصائح استيفن كينج عن الكتابة وهى "لا تشاهد التلفاز مطلقا، فهو قاتل للإبداع". نعم فالتلفاز يعد ثقافة بلا معرفة، ثقافة فقدت مصداقيتها وحولها الإعلام إلى ثقافة الكلام. بشر يجلسون أمام الكاميرات كتماثيل من الشمع، ثرثرة دائمة، وحوارات زاعقة، لا تفضي إلى شيء، بينما الحال ثابت ثبات الزمن.. ولا شيء يتغير! وفي نفس اللحظة شعرت بأن مواقع التواصل الاجتماعي باتت هي أيضا كذلك، فلم أتردد وأغلقت حسابي على الفيس بوك كما قررت إغلاق الهاتف، فلم أكن ألجأ إليه سوى للاطمئنان على عائلتي كل بضعة أيام لا أكثر. أما عن الأصدقاء، فقررت الاعتذار لهم لاحقا! فالصديق الحق هو من يلتمس لك الأعذار ويمسك عن تقريعك إذا ما شعر بأنك حقا بخير!

خلال تلك الفترة، وعلى كثب من الاطلاع والمشاهدة، كنت قد احترفت التأمل، والحق أني مدين إليه، في استعادة صوت نفسي، والإصغاء إليها جيدا. ريثما استعادت الكثير من توازني النفسي والفكري. وصارت الرؤية لدي أوضح والحياة أبسط والصراعات أقل، وقد تبدو معدومة! إذا ما حيدت العبء المادى لإمكانية القيام بمثل تلك الهدنة التي سرعان ما انقضت، فأفلت من قوقعتي العزيزة، وعدت مجددا إلى عجلة الحياة. ولك أن تسأل صديقي القارئ: ألم تواجهك مشاكل أو منغصات؟ ألم تشعر بالضجر ولو قليلا؟ كل ما أستطيع أن أخبرك به هو أني موقن دائما بأن دوام الحال من المحال، وأن الفرق بين كلينا في هذه الحكمة، هو درجة اليقين بها، ولك أن تقرأ باقي السطور القليلة القادمة وتعتبرها بمثابة رسالة مني لك من خارج القوقعة!

أفتقد حاليا التفاصيل. أغرق في العمل حتى النوم. صرتُ عبد الساعة، العقارب تحدد ميعاد الشغل، ميعاد الرواح، ميعاد الفُسح، ميعاد النوم والاستيقاظ وشرب المياه والاحتباس البولي والخروج إلى عتبات النهار. صرتُ أجري كي ألحق المترو أو الباص لا من خشية التأخر، بل من خشية الانتظار، الدقائق التي أنتظر فيها أي شيء أشعر بوطأتها حتى وإن كنتُ في مطعم أنتظر وجبتي المفضلة، أو أشاهد فيلمي الجيد في السينما، وأحسب الدقائق قبل انتهائه. حياتي ليست بائسة الحقيقة، وأنا ممتن لكل التفاصيل والعوامل التي أخرجتني من بلاد العبث والجنون، لكن يتملكني دائما شعور البتر، وهو شعور أقرب لبحثك عن شيء وضعته في مكان ثم نسيتِ أين هو. ساعات من البحث والترقب بحثا عن هذا الشيء، قبل أن تفاجئك ذاكرتك بحيلة جديدة، فتنسي أصلا ما هو الشيء الذي كنتِ تبحث عنه. هذا ما أشعر به دائما طوال الوقت. هل تفهمني؟ أحيانا أتمنى لو كانت هناك مسارات أخرى لحياتي، أو احتمالات لعدم خوضها، لكن أعزّي نفسي دائما بهدنة جديدة قادمة! 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".