منذر مصري يكتب: وثيقة دي ميستورا.. تعديلان وإضافة

يضحك السوريون عندما يسمعون، أن هذا الموضوع أو ذاك شأن يخصهم وحدهم، وبأنه متروك لهم ليختاروا ويقرروا، كانتخاب رئيس الجمهورية مثلاً، أو ما إذا ستبقى سورية دولة موحدة ذات حكم مركزي أو فيدرالي. أم أنها ستقسم لدويلات قومية أو طائفية. أو دويلات الأمر الواقع. أي حسب التوضعات الجغرافية للقوى على الأرض.

يضحك السوريون.. وربما يبكون، ذلك أنهم كالجميع، يعرفون أن الحل العتيد في أيدي القوى الدولية التي تتصارع، لتحقيق مصالحها على الساحة السورية. وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية، بهيمنتها المفترضة على العالم برمته. فلا شيء في القارات الخمس يحدث إلا بأمرها، أو بموافقتها، أو بغض طرفها.. كما يصدق الكثيرون، وروسيا الاتحادية التي وجدت الفرصة سانحة لتعود كقوة عظمى للمسرح السياسي العالمي، بدعمها النظام السوري كل أنواع الدعم، وخاصة بعد دخول قواتها العسكرية الأراضي السورية، في أشد المراحل حرجاً بالنسبة للنظام، وبالتالي تأثيرها، إن لم أقل تحكمها بالقرار السوري، كما يفترض الكثيرون أيضاً.

يضحك السوريون.. وربما يبكون، ذلك أنهم كالجميع، يعرفون أن الحل العتيد في أيدي القوى الدولية التي تتصارع.

ولكن في النهاية لابد أن يكون صحيحاً، أن السوريين، كشعب، كبشر، هم الذين سيقررون طريقة عيشهم مع بعضهم، أي مستقبلهم، لأنه إذا كان قرارهم العكس، أو أن الشرخ الذي صنعته الخمس سنوات من الحرب (الأهلية)، أعمق من أن يسمح لهم بذلك، عندها لن ينفع معهم أي حل مرتقب، ولو اجتمع عليه الأنس والجن.

 كما هناك سوريون يتظاهرون في المناطق خارج سيطرة النظام، لا يعدم وجود سوريين في مناطقه، ليسوا محسوبين على أي من الأطراف المتنازعة سياسياً. وبالأحرى عسكرياً، يرون أنه عليهم، بطريقة أو بأخرى، أن يدلوا بدلائهم، في الاستجابة، لدعوة المبعوث الأممي إلى سورية، الموجهة لهم برسالته في28/1/2016، التي أنعش فيها أمالهم، وحفزهم، تأكيده إن المفاوضات غير مسموح لها أن تفشل، وأن الوقت قد حان ليرفعوا أصواتهم، وليخاطبوا من سيحضر مؤتمر (جنيف3)، من داخل سورية أو خارجها. فكان أن أطلع بعض هؤلاء على مجريات (جنيف3-2)، كما نقلها لهم معارض مستقل حضرها بناء على دعوة ديمستورا، وناقشوا الاثني عشر بنداً التي تضمنتها وثيقة مبادئ الحل السياسي التي قدمت لوفدي المعارضة والنظام في جنيف، كأرضية مشتركة لتقدم المفاوضات باتجاه بحث الانتقال السياسي.

بما أن المعضلة السورية قد وضعت على سكة الحل السياسي، باتفاق الجميع، حتى النظام نفسه، الذي لا يستطيع، برأيهم مهما بلغت درجة ممانعته، إلا الاستجابة للاتفاق الروسي الأمريكي، وللقرارات الدولية التي صدرت والتي ستصدر.

الأمر الذي يصدقه البعض، لدرجة أن الناطق الإعلامي باسم أهم تشكيلات المعارضة الداخلية، أعلن بالأمس انسحابه من العمل السياسي، إيفاء لوعده بذلك عندما يحصل الحل السياسي. وبرأيه، إن الحل السياسي قد حصل!؟ مما دعى الكثيرين من متابعيه لمطالبته بالتمهل قليلاً، فالأمر ليس بهذا الوضوح، ولا بهذه العجالة، فإن كان صحيحاً أن الولد قد حبل به، إلا أنه لم يولد بعد، ومرحلة الولادة والرعاية، ستتطلب نضالاً وجهوداً سياسية أكثر بكثير مما سبقها!؟

ورغم أنها جلسة صداقة وسمر وشاي عموماً، فقد توصل الحاضرون، ليس بفضلي.. أعترف ، إلى ملاحظتين رئيسيتين، واقتراح ثالث، أحسبه على قدر من الأهمية، وخاصة وأنه يغطي نقصاً واضحاً في الورقة بما يتعلق بدور السوريين، الذي كما ذكرت يردده الكثيرون وكأنه كلام-مستعيراً مزحة برتاند راسل بصدد الرياضيات- لا يراد أن يُعرف ما يُقصد منه:

1-(شرعية) بدل (سلمية)

ورد في آخر البند الأول:"وما زال الشعب السوري ملتزماً بأن يستعيد مرتفعات الجولان المحتلة بالوسائل السلمية". وقد أُعترض على كلمة: (السلمية)،واقترح إبدالها بكلمة (الشرعية). لأنه يحق بالشرع الدولي لأي دولة أن تستخدم كل الوسائل المتاحة، ومنها العسكرية، لاستعادة أراضيها المحتلة من قبل دولة خرى.

2-(هوية وطنية واحدة) بدل (هويات وطنية)

ورد في بداية البند الرابع:"تعتز سورية بتاريخها وتنوعها وبما تمثله من جميع الأديان والتقاليد والهويات الوطنية..." وكذلك أُعترض على تعبير: "الهويات الوطنية"، لأنه، برأيهم، مثله مثل تعبير "مكونات"، يكرس التفرقة بين السوريين، في الوقت الذي يجب التركيز على الهوية الوطنية الواحدة،التي تستوعب كل الاختلافات المذهبية والقومية والعرقية.

3-(مؤتمر وطني سوري)

لا يمكن للبنود الاثني عشر في هذه الوثيقة، سوى أن تكون خطوطاً عريضة، وحسب التعبير الوارد في المقدمة: "عناصر استرشادية لنقاط التوافق الموجودة بين الطرفين المتفاوضين". إلا أن هناك غموضاً زائداً عن الحد، برأي الكثيرين، فيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، ومحاور وخطوات الانتقال السياسي، كتلك التعابير العمومية: (الحكم الرشيد)، و(حكم ذو مصداقية)، و(انتخابات حرة ونزيهة).. ولم يحدد بدقة انتخاب ماذا!؟ كما يلف الغموض عملية إعداد الدستور الجديد، الذي ستجري بمقتضاه الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة؛ كيف، ومن سيقوم بإعداده، وأي دستور سيكون!؟ ونتيجة لكل هذا، تبرز الحاجة لاقتراح إضافة الدعوة لمؤتمر وطني عام على بنود الوثيقة، يشارك به ممثلون حقيقيون عن الشعب السوري (من ذوي العلم والشأن)، وذلك أسوة بالمؤتمر السوري الأول/1920/الذي أعلن استقلال سورية بحدودها الطبيعية (بما يشمل لبنان وفلسطين والأردن   والأقاليم السورية الشمالية  التي أعطيت لتركيا من قبل الفرنسيين والإنكليز في  معاهدة لوزان.. ولواء اسكندرون( علماً أنه لا يوجد أي ذكر للواء السليب في وثيقة دي ميستورا هذه!؟

تكاد فكرة المؤتمر الوطني، أن تبدو هاجساً سورياً بامتياز، فقد سبق ودعت إليها قوى وتشكيلات سياسية معارضة منذ بداية تسعينات القرن الماضي، لتعود وتظهر في بداية القرن الحالي، بدءاً من دعوة الأخوان المسلمين/2001/، إلى دعوة التجمع الوطني الديموقراطي، وحركة المجتمع المدني، وإعلان دمشق للتغيير الديموقراطي/2005/، لتصير لازمة في كل برنامج،أو تصور مستقبلي لسورية.

ثم لتتكرر وبكثافة ملحوظة منذ بداية الحدث السوري/2011/،من قبل هيئات وتجمعات وأفراد، وبتسميات وعناوين من الصعب حصرها وتصنيفها.

لاريب، لكل دعوة غاياتها المعلنة والمبطنة، ولكل طرف دوافعه السياسية وغير السياسية، لكن ذلك لا يلغي مشروعية الفكرة، فيما إذا جاءت في السياق الذي يؤدي إلى تمكين الشعب السوري لتحقيق آماله في حياة حرة كريمة في وطن حر كريم.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".