معكم - كاريكاتير مرهف يوسف

سلام كواكبي يكتب: الحوارات التلفزيونية والمسألة السورية

منذ بدء الحركات الاحتجاجية في مساراتها الثورية ومآلاتها العنفية في عديد من الدول العربية، دأبت محطات التلفزيون الفضائية، والتي تصل الى ملايين المشاهدين، إلى بث لقاءات مع "محللين" و"باحثين" و"خبراء" حول القضايا المتعلقة بدولة من الدول المعنية أحياناً وبمجملها في أحيان عديدة أخرى.

ازداد الطلب على هذا "الصنف" من المُحَاورين في ظل نقص بنيوي في العرض المتاح جدياً ومهنياً. ولجأت بعض المحطات إلى "تصنيع" خبرائها، فاستقدمت مغمورين ومنحتهم ألقاب حمّالة أوجه ليُتاح لها موضعتهم حسب الخبر دون أية إمكانية للتأكد من "صلاحيتهم" العلمية أو العملية.

نأى كثيرون، حتى من المُلمّين حقيقةً بحقل ما، بأنفسهم عن هذا التمرين، وذلك احتراماً منهم للمشاهد وذكائه، كما احتراماً منهم لذواتهم من التمييع في اختصاصات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

فضّل البعض الآخر الاكتفاء بالظهور في حدود معارفهم مبتعدين عن الادّعاء وعن التقمّص. بالمقابل، كانت الغالبية قانعة بالخوض في متاهة الأضواء وباستغلال النقص العددي والنوعي ليكونوا من "نجوم" الشاشة ولو على حساب مصداقية ما يتفوهون به أو على حساب احترام المتابع مهما كان بسيط الوعي وضحل المعرفة.

وتنوّعت المداخلات بين التعليق الفردي على حدث ما، إلى المواجهات الحوارية التي تجمع بين محاورين او أكثر، وحيث يسعى منشطها إلى تأجيج الصراع الصوتي واللفظي بحثاً عن اجتذاب أعداد واسعة من الباحثين عن التشويق. وتميّزت القنوات العربية أو الناطقة باللغة العربية في السعي إلى هذا النوع من الحوارات، مدّعية غالباً أنها تفسح المجال لتعدد الآراء.

حازت بعض هذه البرامج الحوارية على شعبية واسعة دفعت بالكثيرين لانتظارها بتشوق كمن يرقب عراكاً في الشارع لا دور له في تأجيجه ولا في حسمه إلا دور المشاهد الذي يُصاب بحالة من الهياج المرتبطة باقتراب موقفه من هذا أو ذاك.

مع امتداد المقتلة السورية في الزمن، فقد أصبحت موضوعاً رابحاً للبرامج الحوارية.

مع امتداد المقتلة السورية في الزمن، فقد أصبحت موضوعاً رابحاً للبرامج الحوارية أو لتعليقات من سبق ذكرهم وتصنيفهم. وصار من يبحث عن تحليلٍ هادئ ورصين يقع غالباً في حلبة صراع وصراخ وتبادل في الألفاظ القاسية وفي الحركات الهوجاء. ولم تتخصص المحطات العربية في ذلك، بل وأيضاً، سعت لتقليدها بعض المحطات الأوروبية الناشئة ، والناطقة بالعربية، والباحثة عن استقطاب المشاهدين. حيث اعتقد القائمون عليها، وهم في غالبيتهم يحملون قسطاً من الثقافة الإعلامية السلطوية التي تحوّلت مع نزوحهم الى الغرب إلى تفريغ رغبات دفينة في "تحرير" التعبير بصورة تحمل جرعات من العدائية لا مبرر مهني لها. وتوضّحت صورة الغالب والمغلوب في مثل هذه الحوارات، حيث من يحمل صوتاً أعلى ومن يقدر على الاستهزاء بكلمات أو بحركات أو بإيماءات غير مناسبة من نظيره، هو الذي يكسب الجولة ولا يكون للمنشط إلا دور المُحفّز والمُحرّض. ولطالما اشتكى بعضهم من هدوء ضيوفهم وتوعدوا بعدم تكرار دعوتهم إن استمروا على هذا المنوال من "الوداعة".

من خلال قاعدة اقتصادية سوقية ـ من السوق ـ قديمة، فإن الطلب يخلق العرض. فصار هناك سوق رحبٌ من المتخصصين الصرّاخين في الشأن السوري بعد أن كانوا يمتهنون الصراخ في شؤون أخرى سابقة. وصار من يُمثّل النظام  السوري أو مواليه، يتلاعب نفسياً بمحاوره حتى قبل الدخول الى استوديو التصوير. فهو يُقابله في المكياج ليتمنن عليه مثلاً بتسهيل عودته إلى "حضن الوطن". أو أنه يرمي بمفرقعات التشكيك بالوطنية وبالانتماء. وينجح بأسلوب "الستازي" ـ نسبةً إلى مخابرات ألمانيا الشرقية الرهيبة في زمنها ـ هذا في توتير الأجواء ودفع المُحاوِر من الطرف المقابل للتخندق والوقوع في فخّ الموقف الدفاعي مع حمولة عنف بلاغي تُفقده السيطرة على الفكرة. بالمقابل، يتمتع مُحاوره الموالي، المدرّب بتؤدة، بالهدوء الكافي عندما يلزم وبالصراخ الوافي عندما يلئَم.

وإن تمتع عموم الموالين بهذه الصفات، فهذا لا يُعفي من يتنطّح لتمثيل الصوت "الثوري" أو المعارض للوقوع في فخّ الشعبوية والبلاغة الفارغة من المعنى وتكرار الجمل مسبقة الصنع التي يظن، مخطئاً، بأنها تُحافظ على مصداقيته وشعبيته. وهو بذلك يبتعد إرادياً عن الخوض في الموضوع أو محاولة تحليله، وحتى، إن لزم الأمر، الاعتراف ببعض نقاط الضعف أو النقائص في الجهة التي يدّعي الحديث باسمها.

الضحية الأولى والأخيرة هو المشاهد السوري الباحث عن مؤازرة فكرية، أو حتى إخبارية، لمحاكمته الشخصية لأمور يومية يعيشها بألم أكبر وجرح أعمق من جل المحاورين والمتحاورين على شاشات الفضائيات، من "الخبراء الاستراتيجيين" إلى خبراء الكباب.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".