ANP - محتجون بحرينيون في بلدة خميس بضواحي المنامة - 22 نوفمبر 2013

حسين جواد يكتب: البحرين.. الحياة ما بين النفيَيْن

في السنوات الخمس الماضية، ومنذ بدأت ثورات "الربيع العربي" ومع انطلاق ثورة البحرين في 14 فبراير عام 2011، برزت أحكام تجريد المواطنين والنشطاء من الجنسية بشكل مُخيف لاعتبارات سياسية وطائفية محضة، و جاءت لتكون واحدة من أكثر الأساليب ترهيباً وانتقاماً وتأثيراً في حملة القمع ضد كل من يطالب بالإصلاح وفق المنظومة السياسية للدولة.

بالطبع لم يكن هذا القمع وليد اللحظة، بل هو أسلوب تقليدي قديم استخدمته العائلة البحرين منذ الثمانينيات من القرن الماضي ضد من يشارك في حملات المطالبة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، وخاصة ضد النشطاء الذين ترجع أصولهم العرقية إلى إيران والمعروفين ب "العجم" في البحرين.

بين نار البقاء ونار الرحيل.. تبقى البحرين جزيرة صغيرة بمشاكل كبيرة.

لقد توجّه العالم المتحضّر إلى التعامل مع حقوق عديمي الجنسية منذ الخمسينيات على أنها حالة إنسانية مأساوية، وأصدر اتفاقية تخصهم في العام 1954، وفي العام 1961 صدرت اتفاقية دولية أخرى لخفض حالات عديمي الجنسية وحَل مشاكلها. في حين ما زالت تتوجه البحرين حتى هذا العام في القرن الواحد والعشرين للسير في الاتجاه المغاير بانتهاج سياسة معاكسة. فمن ناحية، هي تعمل بوضوح على تغيير التركيبة الديموغرافية للسُكّان عبر استيراد مواطني بعض الدول بغرض توظيفهم في السلك الأمني والعسكري، ومن ناحية أخرى تقوم بتجريد مواطنيها من الجنسية بسبب انخراطهم بشكل أو بآخر في المطالبة بالتحول نحو الديمقراطية.

إن تجريد الأفراد من الجنسية يعتبر مخالفة للأعراف الدولية بشكل عام وللعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشكل خاص، والتي اعتمدتها حكومة البحرين في قانونها المحلي عام 2006، في حين قامت بإسقاط جنسية ما لا يقل عن 280 مواطنا و نفيهم، البعض منهم قسراً إلى خارج البلاد دون أي مبرّر إلّا انتماؤهم العقائدي أو توجهاتهم السياسية أو أصولهم العرقية.

فقد قامت البحرين مؤخرًا بترحيل رجل دين بحريني، حسين نجاتي ذي الشعبية الواسعة، إلى لبنان لتتوالى بعدها عمليات النفي كترحيل فرحات خورشيد إلى إيران وعدم السماح له بالدخول إلى البحرين بعد رجوعه من رحلة علاج، ورجل الدين محمد خجسته والناشط النقابي حسين خير الله والأكاديمي الدكتور مسعود جهرمي.

منذ ذلك الحين، تم رسميًا تمكين رأس الدولة ووزير الداخلية والقضاء البحريني من تجريد المواطنين من جنسياتهم تحت تعديلات يوليو 2014 على قانون الجنسية لعام 1963، تحت ذريعة "تهديدات أمنية". ويعتمد نظام محاكمة "المذنبين" اعتمادًا كبيرًا في قراراتها على الاعترافات التي تنزع منهم تحت وطأة التعذيب والترهيب، مما يفسح المجال لاستخدام هذا الأسلوب كوسيلة منهجية لنزع الاعترافات أثناء التحقيق.

إجمالًا، تمّ تجريد 260 شخصًا من جنسيتهم في البحرين منذ عام 2011 ب "أمر ملكي" و"بتوقيع خاص بقلم ملك البلاد"، 10 من هؤلاء فقط تم اسقاط جنسيتهم بأمر قضائي، 208 منهم فقدوا جنسيتهم في عام 2015 وحده، ليغدوا بلا هوية في وطنٍ يخشَون فيه الترحيل والنفي بين عشية وضحاها.

في عام 1980، نُفي رجل الدين الشيعي عبد العظيم المهتدي قسرًا إلى إيران بعد اعتقاله وتعريضه لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي وسُلبت جنسيته من غير أمرٍ قضائي، وتوالى آنذاك سحب جنسيات الكثير من المواطنين إلى جانب أسرهم وذويهم ونفيهم انتقامًا، ليضطروا بعدها للعيش في بلدان غير بلدانهم ويتخذوا منها أوطانًا جديدة لأجيال قادمة، صَارَعَ فيها البعض الفقر والأقدار، في حين بقي الأغلب منهم متمسكا بحُلُمِ العَودة.

في قصّةٍ شَدّتني، بعد قضائه عامَين في سجن جزيرة "جِدَة"، تم ترحيل أحد البحرينيين في الثمانينات في قارب بضائع وأخشاب مع سيدة بحرينية وابنها الرضيع من غير إعلام أسرته بإطلاق سَرَاحِه، لتتفاجأ أسرته بعد فترة أنّه قد تم نفيه إلى إيران ليقضي فيها 21 عامًا من الوحدة في بلدٍ ليس بلده.

وما بين هذا وذاك، اضطر بحرينيون آخرون إلى الهجرة طوعًا خارج البلاد، بعد تهديدٍ أو اعتقالٍ أو تعذيبٍ أو فصلٍ من عملٍ أو فصلٍ من دراسة، وليغدو البحريني حتى اليوم، يقبع بين نارين، نار البقاء، أم نار الرحيل، نار الوطن أم نار المَنفى، ولتبقى البحرين جزيرة صغيرة ذات مشاكل كبيرة.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".