AP - ساحة المرجة في دمشق

سلام كواكبي يكتب: أطفال سوريا والخروج من النفق

منذ خمسة عقود ونيف، يتعرض الطفل السوري إلى عملية منظمة تقود تربيته في مراحل نشأته وبلوغه. فبعد أن يتجاوز الحضانة، والتي لا وجود للتكوين العقائدي في ثناياها مكان، يدخل في دوامة المنظمات الشعبية المخوّلة، وعلى الطريقة الكورية الشمالية، بتأطير وعيه وتشويه نموّه.

وتتابعت سلسلة "غسل الدماغ" العقائدي المترافقة مع تطوير نفسية مخابراتية لدى الجيل الواعد. فقد كان "فن" كتابة التقارير بحق الزملاء في الصف الدراسي، بذرة جرت زراعتها بشكل مبكر جداً في أوائل مراحل تفتح براعم الوعي. ولقد تطوّرت هذه الممارسات بشكل متصاعد مع تدرج الطلاب في العمر، ووصولاً إلى دخولهم معترك الحياة العملية.

يُبعد أطفال "طلائع البعث" عن كل ما يحمله مفهوم الطفولة من تلقائية وانطلاق. ويخضعوا إلى دورات عسكريتارية منذ نعومة أظافرهم. إضافة إلى الدروس السياسية التوجيهية، بحيث تتكون في مخيلاتهم الغضة مفاهيم مغلوطة لكل ما تحمله الحداثة والانفتاح والقبول بالآخر والتعددية.

كان "فن" كتابة التقارير بحق الزملاء في الصف الدراسي، بذرة جرت زراعتها بشكل مبكر جداً في أوائل مراحل تفتح براعم الوعي.

كانت الشعارات الجوفاء التي يُجبرون على تردادها، حاملة عبادة الفرد ومفاهيم لا ناقة للطفل فيها ولا جمل، يجهل من صاغها حمولتها الأخلاقية أو حتى اللغوية. ويُخطئ من يعتقد ممن يبحث عن دفاعات رخيصة لأسلوب مقيت، في إيراد أمثلة من دول شمولية أخرى أو دول كانت الديمقراطية تجافيها، كألمانيا الشرقية مثلاً. على الأقل، كانت هناك إيديولوجيا واضحة اقتنع بها معتنقوها وحاولوا بأسلوب فج وسيء نشرها في أوساط الناشئة. أساليبهم كانت مختلفة، فهم كانوا يحترمون مفهوم الطفولة، ومن خلاله، كانوا يتسللون إلى عقول طرية العود ليزرعوا فيها مفاهيم آمنوا بها وحاولوا المحافظة على انتشارها. أما في التجربة السورية، فما من مشرفٍ أو معلمٍ أو مؤطرٍ طلائعي إلا وكان أبعد ما يكون عن فهم محتوى رسالته، وكان التملق والخضوع والفساد ديدنه.

في المرحلة التي تلي، سيخضع الشباب لـ "اتحاد شبيبة الثورة"، وحيث تتطور معهم مفاهيم الأمنوقراطية، حيث كان عماد ولائهم ونجاحهم وبروزهم هو كتابة التقارير بحق أقرانهم، وحتى بحق أهاليهم. إضافة إلى ذلك، كانت هناك الاجتماعات التعبوية من حشو وتكرار ومفاهيم لا تُساعد لا على تطوير الفكر ولا الممارسة وتبعدهم عن موارد الوعي الأساسية من مطالعة وبناء الفكر والحس النقديين. ومهما كان الشاب أو الشابة خارجاً من بيتٍ يحمل أهله وعياً وطنياً وتقدمياً، فسيكون إخضاعه إلى هذه الآلة الجهنمية وسيلةً لمحو كل ما تجرأ وحمله من بيت أهله، إلا فيما ندر، وإلا إذا كان التكوين الأسري قوياً بما يكفي لمجابهة صناعة الوهم والفراغ الفكري القائمة على قدمٍ وساقٍ. وكان كل من يُكلّف، بوعيٍ أمني، لتحمل المسؤولية عن هذا الجيل، بعيداً كل البعد عن نشر القيم، وعن توعية الجيل الصاعد في أدق مراحل العمر إلى دوره في مستقبل جمعي للبلاد وللعباد.

وحتى يكون ختامها مسكٌ، فسيصل الطلاب الى المرحلة الجامعية ليتطور في موازاة ذلك جهاز أمنوـ سياسي جديد اسمه "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا". وتبدأ مرحلة التصنيفات الطريفة ظاهراً والمدمّرة واقعاً والتي يتعلم أعضاؤه وصم زملائهم بها من "حيادي" إلى "حيادي إيجابي" أو "حيادي سلبي"... إلى آخره من التصنيفات التي تمتلئ بها أدراج الاتحاد كما مختلف الفروع الأمنية المشرفة عليه في الجامعات. تشمل ثقافة "التخوين والإدانة والشكوى" إضافة الى الطلبة فيما بعضهم بعضا، الأساتذة الذين يخضعون إلى نفس المعايير التقييمية، إن لم يكونوا أصحاب حظوة ومحترفي خضوع.

أجيالٌ تخرجّت عبر هذا النفق المعتم من "المنظمات الشعبية" المتتالية. في موازاتها، كانت المقاومة المجتمعية الوحيدة الممكنة أو المسموح بها هي إرسال الأبناء إلى الدروس الدينية التي كان القائمون عليها في جلّهم أصحاب أفكارٍ ظلامية لم تزعج حينها السلطات القائمة للظن بأنها تزيد من تعليم الخضوع ولا تحرّض على الخروج عن ولي الأمر، خصوصاً ان الجسم الديني كان مراقباً بدقة من قبل أصحاب الشأن.

في مرحلة متأخرة، عادت ظاهرة المدارس الخاصة والتي ضعف فيها تأثير "المنظمات" إياها ليرتفع تأثير (لا) ثقافة الخواء والتشبه بالسلبي مما تحمله الثقافات الشبابية الأجنبية بعيداً عن نشر الوعي أو تحريض الجدل البنّاء.

إن جيلاً تعرض لكل هذا الكم المتراكم من الظلم واستطاع، بمعزلٍ عن كل الهفوات والهنّات، أن يخرج من قمقمه ويطالب بحريته وحرية أهله المسحوقين، من المؤكد بأنه سيكون قادراً على المساهمة في عملية إعادة البناء إن هي قامت على أسس واضحة واستندت إلى سلمٍ أهليٍ معزّز بإرادة دولية ربما سيطول انتظارها.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".