anp - الملك محمد السادس أثناء زيارته لمدينة سمارة (جنوب) - نوفمبر 2001

مايسة سلامة الناجي تكتب: لماذا نصدم من ثروة الملك التي تقدر ب5.7 مليار دولار؟

نشرت مجلة الفوربس في ترتيبها السنوي لأغنى أغنياء العالم عن ثروة الملك محمد السادس التي تقدر ب 5.7 مليار دولار، وتجعل منه أغنى المغاربة والخامس في إفريقيا. وظن البعض مقارنة بما نشرته المجلة العام الماضي 2014، حيث وضعت الملك في المركز الثاني بعد عثمان بنجلون، أن ثروة الملك تضاعفت خلال عام واحد. لكن أغلب التقدير أن ترتيب الفوربس العام الماضي كان كذبة، ربما مؤدى عنها، حتى لا يحتد الجدل والسخرية كونها تزامنت مع خطاب العرش الملكي التاريخي: "أين الثروة".

بررت المجلة هذا التغيير في الترتيب بوصولها إلى معلومات تعذرت عليها سابقا، مع أنها معلومات رائجة عند كل المغاربة، موضحة بأن الملك محمد السادس ورث عن والده الحسن الثاني رحمه الله حصة %35 في الشركة الوطنية للاستثمار "سني"، شركة قابضة تملك حصصا في العديد من شركات التداول العام أكثرها ذرا للربح التجاري وفا الذي يعتبر أكبر بنك في المغرب، بما في ذلك شركة التعدين التي تضم أغلب مناجم المغرب باستثناء منجم الفوسفاط، والشركة الفلاحية "ضومين أڭريكول"، إضافة إلى السوق الممتاز مرجان والاستثمار في الفندقة..

دعوني هنا، أنفتح أنا والقارئ على منظورين، منظور ما نسميه بالإعلام المخزني حتى لا يوصف مقالي بالعاطفي أو الشعبوي الذي يبغي الفتنة، في وقت نحن فعلا في غنى عن كل فتنة.. في ظروف دولية حرجة تجعلنا نبجل عمل مخابراتنا المغربية التي تؤمن لنا الاستقرار الكافي لنتحدث في كل شيء بكل حرية وتلقائية.. ونشكرها على ذلك. وأيضا، من منظور الشعب، لأن هذا هو دوري بالضبط، أن أكون صوت الشعب.. هكذا نتقدم معا بالمغرب.. بالتواصل، فتتوافق سرعة الملك ومحيطه مع سرعة مواطني هذا البلد.

فحين نتحدث عن شركة أونا، قد يبررها الإعلام الملكي بأن امتلاك الملك لقطاعات الزيت والسكر والحليب ومشتقاته، جاء بمبادرة من الراحل الحسن الثاني لينقذ الأمن الغذائي المغربي من أيد أجنبية حين قرر ابتياع الشركة من مالكها الفرنسي "جون إپينا" الذي كان على حافة الإفلاس، وكان هذا الأخير على وشك أن يبيعها لمستثمر أجنبي آخر أو للبنك الدولي الذي كان يفرض حينها ـ بداية الثمانينات ـ تعديل بنيوي اقتصادي، طبعا هو المعروف بالخوصصة، إذ بدأت القطاعات الاستراتجية تخرج من تأميم الدولة وكان لابد من مشتري. ثم أن الملك محمد السادس قد قرر منذ مدة إبعاد يده عن هذا القطاع ببيع أسهم الشركة إلى رأسماليين مغاربة لما تأكد من قدرتهم على إدارتها بشكل لائق.

"كل الأثرياء في هذه الدولة، ليس فقط الملك، بل من يتبعه من رأسماليين.. هم مسؤولون عن تحقيق أساسيات العيش الكريم للمواطنين من مالهم الخاص."

لكن المواطن المغربي حين تُذكر هذه الشركة وأرباحها لا تهمه خوصصة من تأميم.. إنما يختلط في ذهنه، وهو الأمر الطبيعي، الملك الذي يتساءل عن أسباب الفقر ويتضامن مع المغاربة عن غلاء المعيشة.. والملك المقاول الذي يستفيد من الضرائب المنخفضة.. فنتذكر ارتفاع أسعار المواد الغذائية على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة ونتذكر إصلاح صندوق المقاصة من جيب المواطن المفقر بدل إصلاحه برفع الضريبة على الأثرياء وعلى شركاتهم القابضة من بينها الشركات الملكية، بل ونتذكر إجماع برلمان القطيع المغربي على عدم سجن المتهربين من مبالغ ضريبية مرتفعة بدعوى إخافة المستثمرين.. ولا نفهم تلك التبريرات أمام وجود مواطنين لازالوا يبحثون عن لقمتهم في القمامة!

أيضا، نفهم جيدا حين يشرح المحيط الملكي ومؤسساته المكلفة بتأطير الإعلام أن الشركات التي يملكها الملك، تخضع لنفس ضرائب باقي الشركات وتساهم في ميزانية الدولة، وتحقق التميز بتوفير فرص شغل لعشرات الآلاف من الكفاءات المغربية وتتوسع في القارة الإفريقية لتثبت التعاون جنوب ـ جنوب، وأنها تعرف ريادة من حيث أعمالها الاجتماعية والبيئية، حيث تمول جمعيات خيرية من قبيل مؤسسة محمد السادس للتضامن ومؤسسة إعادة إدماج السجناء وتمول مجالات البحث كزراعة التمور وطب العيون وفي الثقافة.. للمحافظة على الموروث الثقافي مثل ڤيلات الفن!!

ولكن المواطن المفقر المحبط لا يدري كثيرا ما يفعل بڤيلات الفن.. هو الذي يكتوي بنيران الفواتير الكهربائية في براكة أو شقة سكنية لا تتجاوز الغرفتين.. ثم نعلم أن الملك اتجه مؤخرا نحو إنتاج الكهرباء، إذ من المنتظر أن يبدأ المغرب بناء أكبر مزارع هوائية حصلت عليها شركة نيرڤا التابعة للهولندينك الملكي، وفر بنكيران جميع الظروف الملائمة لتستفيد الشركة الملكية من هذا المشروع منها تخفيض الضريبة على الفحم الحجري، ورفع سعر الكهرباء على عموم المواطنين بين عامي 2014 ـ 2017 لتغطية كلفة المنشآت المزدوجة، ليصبح الملك أول منتج للكهرباء في المغرب. (موقع أناير 14 أكتوبر 2015). فكيف نربط بين هذا الملك العبقري في التجارة، الذكي في فن المقاولات والفوز بطلبات العروض واكتشاف مصادر جديدة للطاقة وأسواق استهلاكية جديدة.. وبنكيرانه الذي يهيئ له الظروف الملائمة.. وبين ملك الفقراء الذين لا يجدون مالا لتأدية فاتورة الكهرباء؟

هل من العقلاني أن نقول: "هو خدام ونتوما ناعسين واش يصرف عليكوم"؟ وهل من العاطفية والشعبوية أن أتحدث في خضم ذكر ثروة الملك عن المفقرين أو عمن يبحث عن لقمته في القمامة؟ حتى وإن كان الفقير متعاطي للمخدرات أو فاشلا لم يستطع تحقيق الاستقرار المادي فانتهى به الأمر إلى الأكل في المزابل، لا ليس شعبوية.. بل من حقنا أن نظن أن ذاك الفاشل الفقير يقع على مسؤولية الملك المقاول والملك الرئيس لسببين:

أولا لأن الرأسمالية الفجة في نسختها الأمريكية التي يسير نحوها المغرب  بخوصصة كل القطاعات، منها الصحة والتعليم.. وإنهاء زمن الوظيفة العمومية، وإنهاء التزام الدولة تجاه الفرد بدأت بتقليص منحة الأساتذة المتدربين بشكل مهين.. وتحرير الدولة نفسها من المسؤولية تجاه المواطنين وقذفهم نحو السوق الحر ليبحثوا عن عمل ولقمة عيش.. حيث كل يجني ويأكل ما يستثمر.. ولا يدين المواطن للدولة بأي شيء.. لازال الشعب المغربي لم يستسغها، لأن توقيع اتفاقيات السوق الحر يتم في الاجتماعات البرلمانية المغلقة، ولأن الخوصصة تتم بسحب البساط من تحت أقدام الشعب لا بالتوافق والتواصل.. حتى تقضى الپاترونا مصالحها في صمت!

"المواطن المفقر المحبط لا يدري كثيرا ما يفعل بڤيلات الفن.. هو الذي يكتوي بنيران الفواتير الكهربائية في براكة."

ثانيا هذه الرأسمالية لا يمكن أن تزيل عن كاهل الملك المقاول مسؤولية المواطن العاطل الفاشل.. ولا مسؤولية الفلاح المهمش في جبال المغرب المنسي، مهما تحرر السوق، لأن نفس ذاك الملك المقاول هو أمير المومنين حامي الرعية، وكل ما يخوله له الدستور من سلط، له، ولمحيطه، وللامتداد المخزني الذي لازال محكما قبضته على خناق الشعب. فهذه الرأسمالية في نسختها الأمريكية المعوجة اتخذت في المغرب مسارا اقتصاديا ولا تسير في منحى ديموقراطي.. ولا اجتماعي، ولا تسير في منحى حقوقي.. ولازلنا تلك الدولة البوليسية حيث يخاف المواطن من المقدم والقايد.. ولازلنا مرهونين بالدولة سلطتها وخبزها على الأقل نفسيا.. ولازلنا بعيدين عن الحق والكرامة والإنسانية الأمريكية حتى نقبل بكون مسؤولينا أحرار في أرباحهم وحتى نقبل بأن تتخلص الدولة منا بهذا الشكل.

كل الأثرياء في هذه الدولة، ليس فقط الملك، بل من يتبعه من رأسماليين.. هم مسؤولون عن تحقيق أساسيات العيش الكريم للمواطنين من مالهم الخاص. لأنهم استغلوا موارد البلد الطبيعية بثمن بخس. لأنهم احتكروا الاستثمار والأسواق واحتكروا الإشهار والإعلام.. وأصبح ألا أمل إلا أن تعمل لأجلهم أو ألا تعمل. لأنهم استغلوا الموارد البشرية واليد العاملة دون حقوق، ولم تجد تلك اليد العاملة ديمقراطية ولا برلمانا ولا حكومة لتدافع عن حقوقها وتجبر الباترونا على أجور تراعي الحق في السكن والغذاء والتطبيب.. وريثما تتحقق دولة الرفاه، ببنيات تحتية، بمستشفيات ومدارس راقية.. بالنسخة الأمريكية.. لن نقبل بالرأسمالية بنسختها الأمريكية، وسنظل نظن أن تلك الثروات لنا فيها نصيب مستحق.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".