ANP - بنغازي تحت القصف

إبراهيم راشد يكتب: باسم الشعب الليبي

في ليبيا ثلاثة مستويات من الصراع، المستوى الأول هو مستوى مادي يتعلق مباشرة بالمصالح الاقتصادية المرتبطة بحيازة واحتكار السلطة، والمستوى الثاني ـ المستوى الذي سوف أتوسع قليلا في الحديث عنه ـ هو المستوى الأيديولوجي، والذي أصفه بالأيديولوجي تجاوزاً فهو صراع يحركه مزيج مربك من الأوهام الجهوية القبلية والعرقية المشدودة كلها بخيط طائفي يرفع "تطبيق الشريعة" كشعارٍ مُحير!

أما المستوى الثالث فهو المستوى السياسي وهذا المستوى ليس سوى انعكاس مباشر لما يحدث في المستويين الأولين ولما يطرأ على العلاقة بينهما، فالموقف السياسي لأطراف الصراع يتحدد تبعاً لقدرة كل طرف على توسيع سلطته وبالتالي زيادة موارده الاقتصادية، وما يعكسه هذا التوسيع من رفعٍ لقدرته على فرض الأيديولوجيا التي يعتنقها، فسلطة ومال أكثر يعني مزيداً من التشدد السياسي لناحية فرض الأيديولوجيا على المخالف والسعي لإلغائه، وسلطة ومال أقل يعني قدر أكبر من "التسامح" والمرونة والاستعداد للمشاركة.

قد يبدو هذا الكلام بديهياً، إلا أنني احتجت إلى البدء به لكي أعزل المستوى الثاني بالذات عن المستويين الآخرين ثم أتناوله ببعض التحليل من دون أن يصرخ أحدهم في وجهي:

"عن أي أيديولوجيا تتحدث، إنهم مجرد جهلة يتصارعون على المال والسلطة"

ومن دون أن أضطر أنا لإجابته:

"نعم صحيح إنهم في معظمهم جهلة بشكل مضحك، لولا أنه دموي، ويتصارعون على السلطة والمال ولكنهم يتمايزون ـ أو يتمايز الفاعلون فيهم ـ أيديولوجيا بوضوح، والعلاقة السابقة بين المال والسلطة من جهة والأيديولوجيا من جهة أخرى تنعكس في مواقفهم السياسية".

هل رأيتم مقدار الجدل غير الضروري الذي تجنبته بهذا العرض السطحي لمستويات الصراع في ليبيا؟ وهل لاحظتم أن الشعب كحالة تعايش متجانسة، تسعى إلى الكمال، وكمواطنين، وكأصحاب مصلحة مشتركة في الدولة وبالتالي أصحاب حقوق متساوية في تقرير مصيرها قد اختفى تماماً من هذا العرض؟

في مستوى الصراع الأيديولوجي يمكننا القول أن هناك أيديولوجيا واحدة في ليبيا هي الدين ـ ممزوجاً بكل العصبيات التي تحكم المجتمعات الطبيعية ـ وبشكل أدق نموذج طائفي سلفي ضيق من الدين تم استيراد مقولاته من بيئات صحراوية بدوية لم يتفاعل فيها الدين مع الحياة الحديثة بالقدر الذي ينهي التنافر بينهما، أو يخففه على الأقل.

(الحديث هنا عن مرحلة نشوء المذهب السلفي "الوهابي" ـ الذي صار أقرب إلى الطائفة ـ في صحراء الجزيرة العربية، وتشكُل أساسه الصلب، الأساس الذي استوردناه في أقسى صوره عنفاً وبدأنا حشر المجتمع الليبي فيه، وإلا فإن المذهب اليوم يواجه في موطن نشأته الكثير من تحديات التحديث التي غالباً ما تضطره إلى مزيدٍ من الانفتاح وسيستمر الأمر على هذا المنوال، الانفتاح ثم المزيد من الانفتاح ما لم تخربه ثورة عشوائية مسلحة، قد يدعمها الغرب.. من يدري!، تنزع السلاح من السلطة المنُظَّمة القائمة وتسلمه عشوائياً للفئات الأكثر رجعية وتطرفاً واستعداداً للعنف، والمفارِقة لأبسط قيم الحرية والمواطنة والتسامح بعد أن يسمي الإعلام هذه الفئات بالثوار طبعاً).

لا يقابل هذه الأيديولوجيا في ليبيا، وهي أيديولوجيا عنيفة بالتأكيد، بل تقدس العنف، أيديولوجيا مغايرة (يسار مثلاً، ليبرالية، نزعة اجتماعية حداثية)، وإنما يقابلها ما يمكن أن نسميه على سبيل الطرافة بأيديولوجيا الوضع الراهن، أو أيديولوجيا "كما كنت" (استعارة هذا التعبير العسكري مقصودة)، وهي أيديولوجيا بلا أدبيات اللهم إلا الأدبيات الدينية الجاهزة والتي تشكل مصدراً مفتوحاً للتشارك بحيث يغترف منها المتناقضون بلا حرج ولكن، وكعادة الأديان دائماً عندما تُستخدم كأساسٍ لمشروعية حكمٍ ما، يغترف كل طرف نصوصاً وتأويلات تختلف، بل وتعاكس، نصوص وتأويلات خصمه.

فالأيديولوجيا الدينية الوافدة تصف خصومها (هم أعداؤها في الحقيقة) بالكفرة، أو المرتدين، أو البغاة، أو العصاة، بينما تصفها أيديولوجيا "كما كنت" بخوارج العصر!.

عندما حدثت الحرب الليبية الثانية (حرب سنة 2014) لم تكن نتاجاً لموقف فكري مكتمل أعلن عن نفسه وعن مشروعه بشكل واضح، لقد تخفت كالعادة وراء شعارات يتصور مطلقو الحرب أنها شعارات مقبولة، وانطلى هذا ـ كالعادة أيضاً ـ على عصبياتهم المحلية المرتبطة بهم عضوياً، والتي لا تحتاج إلى إقناع لكي تتبعهم، يكفي أن يشدوا على غرائزها لتفعل، أما نحن فيمكننا أن نرى بوضوح بعد أن وقفنا خارج الحرب (خارج المشاركة أو التأثير فيها، وليس خارج التأثر بها) بأنها كانت حرباً بين دولة ما قبل الثورة الفرنسية ودولة ما بعد الثورة الفرنسية.

يمكننا أيضاً أن نرى أنها حربٌ بين لويس السادس عشر ونابليون من دون المرور بميرابو ولا دانتون وروبسبير، مع نفي قاطع لأي أثر لفولتير أو روسو ومونتسكيو،  أو أن نرى أنها حربٌ بين الدولة الأموية ودولة عبد الناصر.

سنختصر كل هذا ونقول إن الحرب في ليبيا هي، في المستوى الأيديولوجي غير المعلن وغير الواضح حتى لمعظم المتحاربين، حرب بين الدولة التي تُنسب إلى عائلة أو قبيلة أو عرق أو حتى إلى طائفة (الأمويين ـ العباسيين ـ الفاطميين ـ العثمانيين ..)، وهي دولة ما قبل الثورة الفرنسية حيث لا وجود لشعب يوجد فقط ملك، إمام، أمير، خليفة، ثم نبلاء سيف ومال، ورجال دين .. وفي القاع الرعية، المادة الخام، الصلصال الذي يتشكل طوعاً أو كرهاً لتحقيق مجد كل هؤلاء، وبين الدولة التي تُنسب إلى الإقليم، كما هو مرسوم في الخريطة، وهي دولة ما بعد الثورة الفرنسية، دولة نابليون العسكري (والذي سيتحول إلى إمبراطور!)، حيث يحضر الشعب ـ كشعار خطابي على الأقل ـ بشكل نهائي، وينتهي رعب الإرهاب وفوضاه، ويتجاوز التاريخ دولة الإقطاع.

لقد تم خلال السنوات الأربع الماضية تغييب الشعب تماماً (باستثناء من انخرطوا في حمل السلاح، وهؤلاء لم يعودوا "الشعب" هؤلاء صاروا السلطة، أو أدوات تثبيتها على الأقل)، بعد أن استُخدم بمهارة لتبرير التدخل الأجنبي عسكرياً، والحرب الأخيرة التي دارت خلال السنة الماضية كانت، من دون أن نلاحظ، تعبيراً عن مقاومة هذا التغييب، لكنه لم يكن، بسبب صمت شعبنا الأسطوري، تعبيراً واعياً وبمقولات واضحة.

ولأن الناس لم يعيشوا دولة يحضر فيها الشعب ولو في المستوى الشعاراتي وفي الحد الأدنى من التمثيل في المؤسسات إلا تلك الدولة التي ينشئها القائد العسكري، فقد قرروا أن يحاربوا تحت قيادة هذا القائد دفاعاً عن أيديولوجيا الوضع الراهن رافعين شعار "كما كنت!".

إليكم هذه الطرفة الكاشفة ..

قبل أيام أثنى مفتي دولة ما قبل الثورة الفرنسية المستقرة في طرابلس على قرار اتخذته جماعة المؤتمر (البرلمان السابق .. الخالد!) بحذف هذا الاستهلال: "باسم الشعب" من كل الوثائق الرسمية، نعم .. لقد حذفوا الاستهلال، هكذا بكل بساطة، وفي حضور جمع من الشعب، الحقيقة أن ذلك الجمع المهيب صفق للمفتي وبرلمانه الخالد ثم دفن نفسه تحت السجاد الفخم للقاعة، وغاب!.

لكن دعونا لا نبالغ في إظهار الدهشة فلقد كانوا على حق، لأن الدولة الأموية لم يكن فيها شعب، الشعب ـ كما نعرفه اليوم ـ لم يظهر إلا بعد الثورة الفرنسية، بعد وقت طويل من الثورة الفرنسية، وقد عانى كثيراً من الاستبداد والدكتاتوريات منذ ذلك الوقت، إلا أن معاناته تلك كانت شرطاً ضرورياً لكي يتحسس وجوده، وقد كان هناك دائماً من يقول: "باسم الشعب!" ليُذكِّر الشعب باستمرار ـ حتى في أسوأ عصور الاستبداد ـ بأنه موجود، وبأنه لم يوجد، منذ أن وجد، إلا ليبقى!.

ثمة سؤال يدور في ذهنك الآن:

"هل في ليبيا شعب؟"

يمكنني أن أجيب ولكن في مقال لاحق!

 

* هذا المقال نشر لأول مرة في 29-05-2015.

 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".