anp - الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند وجاك لانغ أثناء زيارة أولاند الأخيرة للمغرب

مايسة سلامة الناجي تكتب: الاغتيال الاقتصادي للمغرب

يقول جون بيركنز عن قصة تجنيده من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية، وعن تدريبه ليصبح مقاتلا اقتصاديا، في كتابه "إيكونوميك هيت مان":

"... كانوا يعلموننا أننا إذ نستثمر مليارات الدولارات في تطوير البنية التحتية للدول المتخلفة كالإكوادور وإندونيسيا، حيث نشيد محطات الكهرباء وخطوط نقل الكهرباء وشبكة المواصلات وما إلى ذلك، إنما نعمل بذلك على تطوير اقتصاد هذه البلدان. وبالفعل كانت الدراسات التي نقوم بإعدادها تؤكد ذلك، ولكن ما لم تعكسه تلك الدراسات هو أنه مع تطور اقتصاد البلاد الوهمي إنما في الحقيقة تزداد العائلات الحاكمة في تلك الدول ثراء وبمعدل أسرع بكثير، أما الشعب فيزداد فقرا لأنه هو الذي تقع عليه أعباء تسديد الديون التي أنفقت على هذا التطوير". "في البداية كنا نعرض على زعماء بلدان العالم الثالث وحاشيتهم أن يصبحوا أغنياء إذا ما وافقوا على قواعد لعبتنا، فإذا لم يوافقوا كنا ننحيهم بكل بساطة عن مناصبهم..."

قام البنك الدولي يوم 22 أكتوبر 2015، بإقراض المغرب مبلغ 2 مليار درهم لأجل الحكامة.. ولا أحد، لا من المحللين السياسيين أو الاقتصاديين ولا من عامة الشعب، فهم معنى إقراض المغرب لأجل تطوير الحكامة، وهل النجاعة في تسيير أمر الشعب تحتاج أناسا يضحون لأجل سيادة الوطن أم قروضا لا أحد يعلم في أي بطن سترسى أو في أي حساب سويسري. ولكن الكل يعلم أن من شروط صندوق النقد والبنك الدولي للبلد المدين: شفافية أكثر للعمليات الحكومية لا لأجل المواطنين إنما لأجل دراسات البنك، إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لا لصالح الشعب وإنما تماشيا مع هيكلة البنك، التوسع في الخوصصة وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة لبيع البلد.. فهل المغرب سائر في تحقيق شروط البنك؟ نعم. ما نعلمه أيضا، أن المغرب مضطر لأخذ هذه القروض، وأنه غارق فيها، وأن سيادته على المحك.

البنك الدولي انتقل من تمويل مشاريع الري كالتي استفاد منها أحدهم ـ طبعا ليس الفلاحين ـ شهر يليوز الماضي بقرض 187  مليون دولار، أي من التدخل في القطاع الفلاحي وقطاعات حيوية أخرى تحت اسم مشاريع الوصول إلى الماء الصالح للشرب، والتي تستفيد منها خاصة الجهة الشرقية، وقطاع الكهرباء كالمشروع الذي استفادت منه مكناس ورزازات وميسور، وطنجة ب150 مليون دولار عام 2008، إلى تدخلها في القطاع الصحي آخره دعم ب100 مليون دولار شهر أبريل الماضي، ولا غرابة أن القطاع الصحي في طوره إلى الخوصصة بضغط من البنك الدولي، إلى التدخل في قرارات المؤسستين التشريعية والحكومة، بهذه القروض تحت ذريعة تطوير الحكامة ووصول المواطن إلى المعلومة والشفافية ومشاريع فارغة بغية مزيد من الضغط على قرارات المغرب لخوصصة كل القطاعات والمؤسسات أو ما يسمى بالنييوليبرالية: بيع المغرب بالتقسيط المريح.

المغرب يدين اليوم للبنك الدولي للإنشاء والتعمير ـ حسب معطيات موقع البنك نفسه ـ بمبلغ 5.682 مليار دولار. والشعب يتحمل أعباء هذه القروض بالزيادات آخرها تذاكر القطارات، بعد أن باع المغرب أكثر من 70 شركة ومؤسسة فندقية خلال عقد واحد. كانت ما يفوق 100 مليار درهم المداخيل الأولى للخوصصة أقنعوا الشعب أنها ستساعد في دعم صندوق المقاصة، وبعد بيعها رضخ المغرب لأجندة البنك الدولي ورفع يده عن المقاصة وترك الشعب يؤدي من جيبه ثمن السكر والقمح بزيادة ثمنه أيضا بدعوى منع استفادة الشركات الكبرى من الدعم والحقيقة عكس ذلك تماما، إنما هو لتفقير الطبقة المتوسطة وإغراقها في القروض وإنعاش المستثمرين.

البروتوكول الحادي والعشرين من بروتوكولات صهيون: "سنغرق حكومات الأمميين بالديون عن طريق تشجيعها على الاقتراض على الرغم من أنها قد لا تكون في حاجة فعلية إلى الاقتراض وذلك عن طريق استغلال فساد الإداريين والحاكمين الأمميين لكي نجني ضعفي أو ثلاثة أضعاف القرض الأصلي، و عندما تظهر حقيقة الدين الكبير جداً وتضطر الحكومة من أجل دفع فائدة هذا الدين الى الالتجاء الى قرض جديد هو بدوره لا يلغي دين الدولة بل يضيف إليه دينا آخر"

اليوم المغرب باع كل قطاعاته، ويدين للبنك الدولي بمبلغ يعطي لهذا الأخير حق التدخل في المدونات وفرض أجنداته الاجتماعية على المغاربة وهويتهم، وحق التدخل في سياساته.. ومنها تلك النعرات التي تصدر بين الفينة والأخرى كالمساواة في الإرث أو تقنين الإجهاض بغية إلهاء الرأي العام واستفزازه ودراسة ردود أفعاله حتى يعرفوا كيفية تقنينها في هدوء. والمغرب اليوم في طوره إلى بيع باقي المؤسسات آخره خبر عرض أسهم المكتب الشريف للفسفاط للبيع قبل أن يتم تكذيبه لتهدئة الرأي العام. والمصيبة الأعظم أن لا المغرب اليوم يملك سيادته كاملة، ولا هو استطاع فعلا تنمية القطاعات التي اقترض لتنميتها، بسبب تفشي الفساد وعدم محاسبة المختلسين، ولا القطاعات التي باع تعرف تحسنا في جودة الخدمات، والاحتجاجات بمدينة طنجة ضد شركة أمانديس تلخص المعنى.

"إننا قد اغتنمنا فرصة ما عليه رجال الإدارة الكبار من التكالب على جمع المال، وما أصيب به الحكّام من آفة الخمول، فاستعدنا أموالنا منهم ضعفين وثلاثة أضعاف، بل أكثر من هذا، فكنا نقرض حكومات الغوييم من المال ما يفوق حاجتها.  أفيستطيع أحد أن يدور بنا مثل هذا المدار؟"

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".