رامي رؤوف يكتب: هل يهم إن كان أحد يراقب ما نقوله ونقرأه ونشاهده؟

كيف يمكنكم التأكد أن لا أحد يعلم أنكم تقرأون الآن هذا المقال؟ هل أصلا يهم إذا كان أحد يراقب ما نقرأه ونكتبه؟ هل يهم إذا اكتشفنا في يوما ما وجود سجل لكل مواطن يضم شجرة علاقاته الأسرية والاجتماعية وقراءاته وكتاباته ورسائل الهاتف المحمول التي أرسلها وتلقاها وجميع المكالمات الصادرة منه والواردة له؟ هل يهم إذا اكتشفنا وجود جهة ما تسجل تاريخنا المرضي والمالي وعلاقاتنا العاطفية على مدار سنوات؟

يقوم حراس السلطة دائما بخلق منافذ عديدة حول مختلف الوسائط للسيطرة على المضمون وإشباع الفضول والتحكم من منطلق المباح والممنوع. منافذ لمراقبة حركة البضائع ومنافذ لمراقبة الكتب الواردة من الخارج ومنافذ من أجل طباعة الصحف ومنافذ من أجل استيراد أجهزة إلكترونية، ومنافذ على طرقات السفر... وإلى أخره من منافذ لا تنتهي.

 

يقوم حراس السلطة على سبيل المثال بمطالعة الكتب والجوابات الواردة للمسجونين وهذا المنفذ يسعى إلى السيطرة على حركة المعارف والمعلومات من خارج السجن لداخله، فبعض المعارف مسموحه والبعض اﻷخر ممنوع وغير مرحب به وفقا ﻷهواء الحراس.

نعيش في أغلب الأوقات محاطين بآليات لا نراها بأعيننا ولا ندرك وجودها ولا نتساءل إن كانت موجودة، ربما ﻷننا لا نفكر كثيرا في كيفية عمل الآليات المشغلة لشبكات الاتصالات ومساحات التواصل بين الناس. كل منا في الأغلب لديه هاتف محمول ونقوم بإرسال واستقبال رسائل نصية عديدة طيلة الوقت مفترضين بحكم المنطق أن تلك الرسائل بيننا وبين من نتواصل معهم فقط، ولكن الواقع أن شركات المحمول التي نقوم بالتراسل من خلالها لديها سجل جميع المراسلات، ولديها أيضا سجل بجميع المكالمات، وسجل آخر بمواقعنا وتحركاتنا الجغرافية بسبب اتصال الهواتف الدائم بأبراج الاتصالات من حولنا. لا نعلم على وجه الدقة -ولن نعلم قريبا- الكيفية التي تقوم بها الشركات بحفظ تلك السجلات والمدة الزمنية للاحتفاظ بها ومن له صلاحية النفاذ إلى هذا البنك من البيانات ومعايير الحماية المتبعة - إن وجدت.

قد تبدو مسألة مراقبة مئات الآف أمر صعب وغير ممكن وهو أمر منطقي ولكنه أمر ممكن وفي واقع الأمر غير معقد في العالم التقني ولا يحتاج إلى ملايين الموظفين ولكنه يحتاج إلى ملايين من الأموال لشراء وتوظيف التقنيات المناسبة لتلك المهمة وقدر لا بأس به من الفساد وسوء استغلال السلطة.

يستطيع حراس السلطة فرض حظر على مواقع إلكترونية أو خدمات تقدم عبر الويب ليمنعوا الأفراد من النفاذ لها. ويستطيع حراس السلطة مراقبة الأفراد الذين قرروا اليوم البحث عن عبارة "الديمقراطية في البلاد" عبر أي محرك بحث.

يستطيع حراس السلطة في أي وقت النفاذ إلى تلك السجلات وقراءتها، والحكم على الأفراد وفقا  لتلك القراءة وبعض الحسابات التي تبدو لهم منطقية. وهذا يعنى أن حراس السلطة يمكن أن يكون لديهم تصورات وافتراضات عننا لا تقترب من الحقيقة إطلاقا ولا تعبر عنا في الواقع.

وتستطيع أيضا شركات الاتصالات الاستفادة بهذا الكم الهائل من البيانات التي تخزنها عن المواطنين من خلال استخدامها في "صيانة" علاقتها بحراس السلطة، وبيعها لشركات الدعاية والإعلان وﻷي جهة تجارية توافق على المبلغ المطلوب.

التحكم في حيوات الناس وبياناتهم الخاصة وفرض بوابات للمعارف والمعلومات مسألة لا يجب أن نتعامل معها على اعتبار أنها مسألة حتمية وطبيعية. صحيح أن قدر كبير من البيانات الرقمية يتم جمعها وحفظها بصورة حتمية -تقنيا- في قطاع الاتصالات إلى أن عدم وجود بنية قانونية متطورة وآليات مستقلة للإشراف والمسائلة والشفافية تجعل رحلة البيانات والمنافذ بلا رقيب وبلا قيود ومشاع لحراس السلطة.

*"* تابع الكاتب على تويتر"

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".