علي لطيف يكتب: ليبيا.. أيها المجانين، الجميع معكم

في مدينة ستراسبورغ  الفرنسية، عام 1518 بدأت امرأة تُدعى (فراو) الرقص في الشارع. خلال أربعة أيام تبعها 33 شخصاً، وخلال شهر تبعها 400 شخصاً، معظمهم من النساء. في النهاية مات أغلبهم من الإعياء أو النوبات القلبية أو السكتات الدماغية.

مابين أعوام 1346 – 1353 قتل الطاعون ثلثي سكان أوروبا. بعد ذلك بخمسين سنة تقريباً ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، اجتاح أوروبا مرض جديد. ليس مرضاً بالتحديد، أسماه المؤرخون (هوس الرقص)، حيث بدأ الناس بالرقص في ميادين المدن الكبرى دون أي سبب.

لا أحد يعرف بالتأكيد سبب رقص الأوروبيين لثلاثة قرون متواصلة وبشكل متقطع وباللآلاف. هناك نظريات تقول إن ذلك كان ظاهرة اجتماعية وراءها جماعات دينية ما، أو إنه مرض نفسي جماعي، أو إنه نتيجة حالة جماعية من (تسمم الأرغوت) وهو فطر ينمو على الشعير والحبوب ويسبب هلوسات وتشنجات عضلية على مدى التعرض الطويل.

هنا على غرار أوروبا في القرون المظلمة، لا أحد في ميدان الجزائر في طرابلس يعرف سبب جنون "حُبِي" - هكذا يلقبها بعض رواد مقهى الاورورا -  المرأة صاحبة الشعر البني الأشعت القصير والعباية السوداء التي تتجول في الداون تاون (وسط المدينة) من بعد عام 2011.  ولا أحد في حيّنا يعلم سبب جنون الرجل المدخن الشره الذي يجلس مقابل محل المواد الغذائية في بداية الشارع. ولا أحد يعلم سبب جنون الرجل البدين الوسيم صاحب العينين الزرقاوين الذي كان يعمل بمحل ذهب بمنطقة بن عاشور. ولا أنا أعرف لماذا أقوم بِعدّ المجانين، لكنهم لا ينفكون عن مقابلتي كل يوم تقريباً.

"الجنون يعني الموت في العالم الثالث، إلا إن كنت محظوظاً!" قالت لي إحدى الصديقات مرة.

من غير هؤلاء، يوجد المزيد. منهم من يسكن في الشوارع، تحت الكوبريات، أو أمام المساجد (فليس مسموحاً للمجانين دخول أغلب المساجد) أو في الحدائق العامة المهجورة. مجانين مشردون، وآخرون غير مشردين، يعودون لمنازلهم بعد يوم طويل من التسكع في الشوارع إلى أهاليهم، الذين فقدوا الأمل منهم  بعد محاولتهم مع أكثر من شيخ دين لطرد "الشيطان" من الجسد.

بعد عام 2011، كان من المتوقع أن يصاب الكثير من الناس ب(اضطراب ما بعد الصدمة – PTSD) . كل من كان في ليبيا وقت الحرب كان عرضةً للإصابة. في البداية يأتي القلق، الأرق، سرعة الغضب، الشعور بالكره اتجاه النفس والآخرين أيضاً.. إلخ. ثم تأتي الكآبة، أفكار الانتحار، الإدمان المرَضِي على المخدرات، أو مرض الهوس الاكتئابي ( Bipolar mood disorder)  وغير ذلك من المضاعفات.

خلال عامي 2012 – 2013، عندما بدأ الحديث عن المرض النفسي بعد الحرب وخاصة مرض (PTSD)، كان المرض النفسي عامةً يُعتبر من أغلب الناس ناتجاً عن سحر أو مس شيطاني. وعندما يواجه أي شخص مصاعب نفسية بسيطة أو حادة،  كان أول ما يقوم به أهل المريض هو عرضه على شيخ معروف ليطرد منه الشيطان أو يفك عنه السحر.

لكن عدداً لا بأس به من الناس اكتشفوا أن هذه الطريقة غير فعالة. بالأحرى كانت تُفاقم حالة المريض وتجعلها أسوأ. ثم بدأ الأطباء النفسيون وأطباء الأعصاب بالظهور على الساحة الطبية، بالرغم من كون هذا المجال جديد وضعيف جداً مقارنة بدول مثل لبنان التي عرفت الحرب لسنوات.

أكثر من ثلاث عيادات خاصة بالأمراض النفسية تم افتتاحها خلال عامين بطرابلس. لم أصدق أن الكثير من الناس كانوا بالفعل يذهبون إلى هذه العيادات، لمعرفة ما الخطب، لماذا أنا، من أنا، أشعر أنني أنا لست أنا والعالم كله قبيح والبلد ضاعت، أنا ما عندي حل؟

هذه الأسئلة مشروعة وهي من حق  كل إنسان يعيش على هذه الأرض، فليس من المنطقي حقاً أن نصل إلى هذه الحالة البائسة خلال أربع سنوات فقط.

وعند التطرق إلى موضوع الانتحار، فلا أحد يتحدث عنه أو يتناوله بأي طريقة، أغلب ما يقال إن "المنتحرين لا يدخلون الجنة!"، ولقد سمعت أكثر من قصة عن رفض إمام المسجد الصلاة على المنتحر أو رفض المسؤول عن المقبرة دفن المنتحر في "مقبرة مسلمين"، كما يقول.

إن أغلب حوادث الانتحار التي سمعت عنها، كانت بالحبل. الرصاص لم يعد مرغوباً أبداً بالرغم من وجود قطعة سلاح في كل بيت بالبلد. أو ربما الشنق أكثر هدوءاً. لا أعرف. بالطبع، الإشارات واضحة قبل وقوع الحادث، لكن لا أحد يريد ملاحظتها أو التفكير فيها فما بالك عن التحدث عنها.

"ما الجدوى؟" يفكر الشخص، "ما الجدوى من كل هذا العبث؟". بعض منهم يتحصل على إجابات بالالتزام دينياً. البعض الآخر يتحصل على إجابات من المخدرات. وآخرون عن طريق مواصلة الحرب. وآخرون لا يتحصلون على أية إجابة، فينتهي بهم الأمر معلقين، دون أي رسالة أو جواب.

في مدينة طرابلس عام 2014، رأيت رجلاً يركض صارخاً في الشارع : "أنا إنسان، أنا إنسان!" كان عاري القدمين، كان مجنوناً. حدث ذلك في أغسطس، بعد حرب المطار.

في النهاية أمسكوه، ربطوه بالحبل وأعادوه للمنزل بالقوة. ماذا لو لم يُمسكوا به؟ ماذا لو استمر في الركض على طول ليبيا؟ هل سيركض معه الكثير؟ هل سيصرخون مثله ذات الكلمات؟

ربما تكون أسوأ مهنة بعد الموت هنا هي الجنون، لقد انتهى أمرك تماماً غالب الظن، وسيسميك أحدهم مثلي بمقال ما أو في حديث عابر، حسب مظهرك والشيء المميز الذي تفعله في حالات جنونك، وستُنسى في النهاية ما بين الثورات والحروب وغلاء الأسعار والانهيار التام لكل شيء.

على أية حال، أهلاً بك في عنبر صحراء المتوسط للمجانين والمجانين! نحن نرحب بالجميع!

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".