شكري الميدي يكتب: لا مجانين في مصحات المدينة الليبية!

خطاب "زنقة زنقة"، حين أذيع للمرة الأولى، توقع له الناس نجاحاً باهراً. كان هو الخطاب الذي يلخص كل شيء ضمن المجتمع الليبي المعقد، كما كان بمثابة الخلاصة الفكرية للسياسية الليبية بحسب تجربة العقيد الليبي أو ما يسميه إدوارد سعيد بالأسلوب الأخير، أي تلخيص كل شيء بتجريد بالغ الوضوح بعيداً عن الاستطرادات والحيل الفنية والشعرية، ليصل كل شيء إلى ذروته بوضوح تام.

ذلك الخطاب كان ذروة الجنون الليبي بالضبط كما كانت أعمال بتهوفن الأخيرة. إنما لا تهمنا كل هذه الخلاصات العميقة، فالمهم هو رأي العالم حيال ذلك الخطاب الرهيب. أنجيلا ميركل اعتبرته عودة للعصور الوسطى، فيما خرج جميع مسؤولي الحكومات الغربية معلنين بأن القذافي أخيراً فقد شرعيته وبشكل نهائي.

كنت جالساً مع رفيق لي حين سمعنا للمرة المئة، فكرة فقدان القذافي لشرعيته. عندها التفتَ إليّ متسائلاً: "هل تعرف ما معنى فقدان الشرعية؟". أجبته بوضوح بأنني لا أعرف. التفت نحوي أكثر ثم قال: "تخيل بأنني بدأت أصرخ راكلاً كل شيء وكل شخص في البيت، ثم حملتهما -كان يشير لابنيه التوأمين الصغيرين- محاولاً رميهما من البلكونة - كنا في الطابق الرابع- ماذا ستفهم من حركاتي عندها؟". مرة أخرى أجبته بوضوح تام: "سأعتبرك مجنوناً بلا شك". عقب ضحكة طويلة أجابني: "هكذا بالضبط رأى الغرب تصرفات القذافي".

ببساطة، العالم اعتبر القذافي مجنوناً. مؤخراً صارتْ المشكلة الفعلية في الشارع السياسي الليبي هو تحديد معنى الشرعية، في حين ظلتْ المعاناة الأساسية للمواطن متمثلة في الجنون بتفاصيله الظاهرة ضمن شيوع القتل، السطو المسلح، الاختفاء القسري وادعاء القدسية. مآسي تحيط بالمواطن بشكل يومي حتى أصبحتْ الشرعية نفسها مرتبطة بالقدرة على إحداث أكبر ضرر ممكن مع حيازة أكبر رقعة من البلاد. وهو ما نجده ظاهراً ضمن التحالفات الواضحة بين الشرعية المزعومة والمليشيات المسلحة، علناً عبر الشاشات. الاتفاق التام بين مدعي الشرعية من السياسيين ونواب الشعب مع قادة المليشيات، مقابل خلافات السياسيين من أجل دعم المليشيات المسلحة. إلا أن أحداً لا يعترف بأنها سياسات فاشلة. كان البعض يحاول دوماً التماهي معها لدواعي اقتصادية!

المآسي تحدث دوماً ضمن هذا الأسلوب الجديد. يصبح الجنون ذروة الأحداث اليومية، سواء بالمجازفات خلال العمليات القتالية أو بتهييج جمهور شبكات التواصل أثناء المفاوضات من قبل أشخاص يمتلكون أو تمتلكهم مليشيات الموت. يفقد المواطن كل شرعية لوجوده، نظراً لفقدانه: السياسة والسلاح. فقدان رهيب من هذا النوع يضطرنا كمواطنين لترك كل شيء آخر فقط لحفظ حياتنا الشخصية. بكلمة أوضح نصبح لا شيء، لا نستطيع الحصول على غذاءنا اليومي، لأننا لا شيء، لا نستطيع الحصول على أنبوبة غاز، لأننا لا شيء، لا نستطيع أن نتمتع بالتيار الكهربائي، لأننا لا شيء بشكل فاضح. الشعب هو الطرف الأضعف في البلاد، المؤسف أننا نعرف بأن هذا الضعف يحكم وجودنا. المنحة الفعلية لكوننا عقلاء، نُدرك مكامن الخطر، نتهم من يجازف برأسه بمجرد أوهام عن الوطنية أو أي أوهام أخرى بالجنون.

بسبب الحديث عن الجنون طوال الأسطر الماضية، لا بد من ذكر حادثة رهيبة وقعتْ داخل أحد شوارع بلدة سبها جنوب غرب البلاد، فقد خرج "مريض عقلي" دون علم أهله، لجولته المعتادة عبر شوارع المدينة التي ألفها ثم صارت محفورة ضمن ذاكرته بالرغم جنونه. تصادف بأن خروجه الأخير جاء أثناء ذروة القتال بين التبو والطوارق، القتال الذي حير الخبراء الغربيين، واعتبروه مباراة كرة قدم مجانية ذات نتائج باهظة. كان المريض تباوياً، تم القبض عليه وتعذيبه بشدة، ومن ثم نشرتْ صوره عبر صفحات التواصل الاجتماعي على أنه مقاتل تباوي أسير. خلال يوم واحد التقط الجيش الإلكتروني التابع للمتشددين في بنغازي، تلك الصورة البشعة ثم أعلنوا بأنهم قبضوا على أفريقي يقاتل ضمن صفوف قوات الكرامة، فيما كان أهل المريض يعلقون بيأس تحت كل منشور بأن الرجل مريض عقلياً ولا علاقة له بالقتال الدائر. عبثاً!

حتى المرضى عقليّاً تورطوا في معضلة الحروب داخل بنغازي مع اشتداد الاشتباكات في محيط مستشفى الأمراض العقلية والنفسية. فقد النزلاء مأواهم الوحيد، أصبح سماع قصص المرضى التائهين عند المحاور القتالية، مسألة متكررة تماماً مثل التعذيب الرهيب الذي يتلقونه مع نشر صورهم مخضبين بالدماء، محاطين بأناس عدوانيين أكثر جنوناً.

مؤخراً، في بنغازي، تم جمع المرضى العقليين ضمن المدارس وسط المدينة في ظروف سيئة للغاية. المدارس المعدة لتنوير العقول، ليست جيدة كفاية كنزل للمرضى العقليين. بلا شك هذا هو السبيل الأخير قبل أن يفقد الجميع شرعيتهم. إنها ذروة أخرى في القضية الليبية، ثم لكي يكتمل المشهد بشكل أوضح، خرج -في الفترة الأخيرة- محلل سياسي ليبي معلناً بأن كل سكان بنغازي أصبحوا مرضى نفسيين!

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".