ar.wikipedia - "في الفترة التي وصف فيها البرادعي الوضع السياسي المصري بالتخبط وعدم وضوح الرؤية، كان هيكل يعظم ويمجد في تجربة الانقلاب العسكري"

مالك مصطفى يكتب: إلى البرادعي... استقم يرحمك الله

منذ وقت ليس بالقريب، خرج علينا المخبر بدرجة مذيع (ومخبر هنا ليست تهمة لا سمح الله، لكني لا أعرف بما أسمي شخصا يتعامل مع الأجهزة الأمنية بتلك الدرجة من القرب، إلى درجة أن يتم تسريب مكالمات السياسيين المسجلة بشكل غير قانوني له، ويقوم هو بعد ذلك بإذاعتها على الهواء، لجموع المواطنين.

 إن وجدت سيدي القارئ كلمة أخرى توصف ذلك الشخص، فأعلمني، ولك جزيل الشكر)، خرج بأحد التسجيلات المنسوبة للدكتور محمد البرادعي، والتي قال فيها: ”دول لا يصين كومبليتلي" .

قام الكثيرون بالسخرية من البرادعي وقتها، ولمدة عامين حتى الآن، إلى أن قام عراب الفترة- الفكرة الناصرية، محمد حسنين هيكل في ذكرى ميلاده الـ92، مؤخرا باستخدام نفس التعبير لكي يصف حالة من يحكم مصر الآن بأنه (تائه)، ولم يكن يعرف ثقل ما سيواجهه، من أزمات داخلية وخارجية، وأنه بحاجة ماسة للمساعدة. لم يخرج أحد يسخر من هيكل، ولا من حديثه عن ضعف، وقلة خبرة، وتخبط المتحكمين في مصير الوطن.

في الفترة التي وصف فيها البرادعي الوضع السياسي المصري بالتخبط، وعدم وضوح الرؤية، كان هيكل يعظم ويمجد في تجربة الانقلاب العسكري.

كان يصعد بقائد الانقلاب إلى عنان السماء، وكيف لا، وهو يذكره بتلميذه الأنجب جمال عبد الناصر، الذي كان هيكل كاتبه وكاهنه الأعظم، الذي كان يستشيره عبد الناصر المتخبط أيضا في كل شيء، والذي يحمل معه مقدارا مساويا من تركة الظلم والهزيمة والسطوة العسكرية حتى اللحظة.

قالها البرادعي المدني، الذي استطاع أن يحلل بدقة ويستشرف المستقبل، ويختار الانسحاب والرحيل، في الوقت المناسب، على الرغم من كل اللعنات والاتهامات التي طالته بالجبن، والهروب، وعدم تحمل المسؤولية. كان الرجل واضحا جدا، وعارفا بقدر نفسه، لم يشأ أن يخوض حروبا وهمية، ستنتهي حتما بانكساره، اختار الهزيمة، التي يمكن أن يعود منها (إن أراد)، ويحاول الانتصار، بدلا من الانكسار التام، والضياع، إن بقي في مكانه.

أختلف كثيرا مع البرادعي، في رؤيته الاقتصادية والاجتماعية، أختلف معه في حلوله السياسية، وطريقة إدارته للأزمات، دائما ما كنت أراه متهربا من المسؤولية التي وقعت على عاتقه، والتي اختارها عن طيب خاطر، لكنه تعامل مع كل تلك الأزمات، بمنطق المدير، الذي يملك موظفين ومستشارين، ومؤسسة تخدم عليه، وتدعمه. لم يستوعب إلا مؤخرا، أنه أمام وطن فسد بالكامل. فسد معارضو أنظمته، قبل الموالين، مناضلوه، قبل سراقه. لم يع أن عشرات الأعوام من الإفساد، لن تنبت زهور الياسمين، بل دودا، يقتات على بعضه البعض، يفرحون عند المصائب، ولا يحاولون مجرد المحاولة أن يبنوا أو ينظروا طريقا للمستقبل، يسير فيه الوطن.

حتى اللحظة لم أفهم، كيف لرجل له كل تلك الخبرة العملية في التفاوض، والمراقبة، والقانون. رجل عايش صراعات دولية، وكان طرفا أساسيا فيها، ورأى انهيار دول، وصعود أخرى، أن يكون على تلك الدرجة من السذاجة!! لم أتفهم يوما صدماته عندما كان يفاوض المجلس العسكري في بداية الثورة، ولا صدماته من رموز للمعارضة، ألتفوا حوله وكونوا جبهات عديدة. دائما ما كان الرجل المصدوم بالنسبة إلي، يصدم بخيانة الزملاء قبل الأعداء، لا أدري أأخبره أحد، أن طريق عودته ستكون مفروشة بالورود، وكأنه غاندي أو مانديلا جديد؟

ولم أفهم استعاراته أبدا من مانديلا وغاندي حتى الآن، عندما يتحدث عن الاعتزال وخياراته، ألا يعلم أنه ولمكانته المعنوية والسياسية، عندما يستعير من أحد الاثنين، فبشكل غير مباشر، سيحاول الجميع المقارنة بينه وبينهم؟

بالنسبة إلي، عندما يتحدث عن الاعتزال، وأنا أرى شبابا لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين، تاريخهم السياسي والنضالي داخل مصر أطول منه، لا أفهمه. أعلم أن الاعتزال هو الخيار الأكثر منطقيه، والأكثر نجاعة في الوقت الحالي، لكن أن تقدم اعتزالك، أو خروجك من المشهد السياسي، على أنه تشبه برجال لهم تاريخ طويل جدا من النضال والكفاح، جربوا السجون، والجوع والتشريد، وتسقط التشبيه على نفسك، فهو نوع من العبث.

البرادعي لم يطلب قيادة، ولم يطلب زعامة، لكنه لم يعرف، أو يمكن لم يخبره أحد، أو لم ير جيدا، أنه قد أصبح قائدا، حتى ولو بشكل غير سلطوي (وهو الشكل الوحيد المطلوب كي تقود ثورة لا سلطوية)، وأن هناك الآلاف من المنتمين للثورة، حتى لو كانوا مختلفين معه تمام الاختلاف، في كل الأطروحات الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم يأتمنوه على أن يصبح صوتا لتلك الثورة، التي تخلى عنها الكثير ممن ادعوا الإيمان بها، وبشروا بها لمصالح شخصية، لا لوجهها خالصة من غرض.

البرادعي ضرورة، وإن لم يقتنع به الكثيرون، وإن سخر منه الكثيرون، لكن حتى الساخرين والغير مقتنعين، بداخل كل منا إيمان تام، بأنه لن يخون، ولن يتراجع، ولن يفرط في أي حقوق.

لم تفت الفرصة بعد، ولم يقتل الأمل حتى اللحظة، فليخبره أحد أن يستقم، وليتحمل المسؤولية، ويبشر بالثورة من جديد، وليعلم أن سواد القادم، يمكن أن يتدارك، لو بدأ هو.

استقم يرحمك الله. 

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".