bsr - "لغة الجهل بمفاهيم العنف الأسري والسائدة في صكوك ولوائح الادعاء والتحقيق العام في مثل هذه الجرائم (...) هي لغة متخاذلة وقاصرة عن حماية الضحايا أو ردع المعتدين"

هالة الدوسري تكتب: أزمة المصطلحات والمفاهيم القانونية في العنف الأسري

في سابقة قضائية مثيرة للرأي العام السعودي، أصدرت محكمة حوطة بني تميم بعد مداولات لمدة ثلاثة سنوات، حكما يقضي بسجن داعية على قناة دينية اعتدى على ابنته ذات الخمسة أعوام بالضرب، بالحبس لمدة ثلاثة سنوات وجلده أربعمائة جلدة. أعاد هذا الحكم إلى النقاش العام موقف القضاء وأجهزة الدولة من ممارسات العنف ضد الأطفال وخصوصا في نطاق الأسرة وهي الأكثر شيوعا.

برّر محام الأب تخفيض الحكم بأنه نتيجة بقاء الطفلة على قيد الحياة لعدة شهور بعد واقعة الضرب – ولو كانت في غيبوبة تامّة- وبأن إصابات الطفلة لم تكن نتيجة للضرب ولكن لسقوطها. لكن تقرير المستشفى أوضح وجود إصابات قديمة من كدمات وحروق على جسد الطفلة، بما فيها منطقة العانة بالإضافة للكسور الحديثة بالجمجمة والفقرات، والتي أدت للغيبوبة المفضية للوفاة، وعلى أنه لم ينشر تقرير واف ببحث تفاصيل الحالة من الشرطة والشؤون الاجتماعية المخوّلة نظاميا بذلك. إلا أن ما نشر عن الحادثة يكفي للحكم على فعالية الأداء الرسمي في مكافحة العنف ضد الأطفال.

صدر في العام 2013 "نظام الحماية من الإيذاء" في السعودية بعد أعوام من التداول مشتملا على ثغرات متعددة كتبت عنها وقتها بالتفصيل. وبشكل مختصر، لم يضع النظام تعريفات لأفعال العنف متّسقة مع الأبحاث العالمية في هذا المجال ومنح صلاحيات غير محددة لوزارة الشؤون الاجتماعية (وبلا آليات رقابية) لتحديد نوع التدخل. كما افتقد النظام لتحديد أدوار الجهات المختلفة المعنيّة بالتعامل مع العنف كالحاكم الإداري والجهات الأمنية والقضاء بشكل دقيق، وهو عيب خطير في عدم توضيح مسؤولية كل جهة وتوحيد الجهود بما يضمن كفاءة التدخّل في حالات العنف، وفي غياب قانون مكتوب يوضّح التكييف القانوني لأفعال العنف وعقوبات المعنّفين، وكيفية ردعهم عن إيذاء ضحايا آخرين. فلا يمكن ضمان حماية الضحايا كما لا يمكن تقييم الآليات التي تعالج بها هذه الجهات حالات العنف بشكل مستمر.

وفي حالة الطفلة لمى خصوصا، يتّضح عجز التكييف القانوني للحالة. الفقرة الثامنة  من نظام الحماية من الإيذاء عرّفت العنف الخطير بأنه "ما استلزم ضرر شديد على بدن الحالة يستلزم التدخل الفوري لإيقافه أو منع وقوعه أو إثباته بتقرير طبي". وهذا ما حدث بالفعل في حالة لمى، حيث وصلت للمستشفى في غيبوبة تامة نتيجة للكسور الخطيرة، كما أن نظام حماية الطفل لم يستخدم في التكييف القانوني لتعنيف الطفلة، وبالأخص في المادة الثالثة: "يعدّ إيذاء وإهمالا كل ما يهدّد سلامة الطفل الجسدية"، ناهيك عن حياته. ولذلك فلا يوجد مبرر لعدم إدراج هذه الصفة النظامية في لائحة الادعاء واستبدالها بتهمة غير دقيقة في اتهام الأب "بالاعتداء على ما دون النفس بما ينافي التأديب المأذون فيه".

وبعيدا عن التساؤل حول ماهية التأديب المأذون فيه؟ فلا يمكن اعتبار إصابات الطفلة الممنهجة إلا تعذيبا مصنّفا تحت الأذى الخطير بحسب الأنظمة، القضيّة تمثّل اختبارا حقيقيا لمدى جدّية مؤسسات الدولة في  التعامل مع العنف الأسري بوصفه مسبّبا رئيسيا للإصابات الجسيمة والقتل. وبالنظر للتعامل القضائي مع قضية سابقة أدّى الضرب فيها لحدوث وفاة، يمكن فهم كيف يصبح تكييف الخطأ الوارد من ربّ أسرة مختلفا عن تكييف نفس الخطأ بواسطة غيره. فعلى سبيل المثال حكم القضاء بالإعدام على شابين على خلفية مشاجرة مدرسية أدّت إلى إصابة طالب آخر ووفاته، العنف واحد والنتيجة مختلفة، لكنه ربما أكثر منهجية وخطرا في حال قيام الأب بممارسته ضد طفل لا يملك ردعه. في المملكة وفي غياب إحصائيات رسمية حول طبيعة ومدى انتشار ممارسات التعنيف ضد الأطفال، تصبح الأنظمة هي الملاذ الوحيد من انتشار العنف في غياب برامج الوقاية والتدخّل المبكّر المبنية على المعلومات، ويعيد عجز الأجهزة الرسمية عن تطبيق الأنظمة – على ضعفها- تدوير المشكلة في المجتمع بلا أي برامج تأهيل للمعتدين، ويخرج المعتدي متمتّعا بصلاحيات كاملة تجاه النساء والأطفال في أسرته.

وفي دراسة منشورة مؤخرا على مجموعة من طلبة وطالبات مدارس الرياض، أعرب مراهق من كل  خمسة مراهقين عن تعرّضه للعنف في بيئته،  كما تظهر بلاغات العنف الأسري ضد الأطفال ارتفاعا مستمرا في العنف ضد الأطفال والفتيات خصوصا، وهو عنف لا يمكن الحدّ منه إلا بفهم الجهات الضبطية والقضائية بطبيعة العنف المنزلي وآثاره الجسيمة على الصحة النفسية والسلامة الجسدية للأطفال والممتدّة معهم طيلة الحياة، ويقتضي ذلك التعامل مع أفعال العنف كجرائم مستحقّة للعقوبة وإيقاف المعتدين عن إيذاء ضحايا آخرين في الأسرة. لغة الجهل بمفاهيم العنف الأسري والسائدة في صكوك ولوائح الادعاء والتحقيق العام في مثل هذه الجرائم واعتبار العنف الشديد المفضي للغيبوبة "ضربا فيما دون المأذون به" هي لغة متخاذلة وقاصرة عن حماية الضحايا أو ردع المعتدين. الخطوة الأولى لاحترام الأرواح هي تحرير المفاهيم والمصطلحات القانونية بما يناسب خطورة مثل هذه الجرائم وحتى نحمي أرواح ملايين الزهرات بيننا من الهدر باسم التأديب.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".