bsr - "شهدنا في مصر عصر الفتوات ومشاجرات فتوات المناطق، وروايات نجيب محفوظ عن الحرافيش غنية بالحكايات"

وائل عباس يكتب: المهرجانات وبداية طريق الجانجستا راب في مصر

على طريقة أحمد ناجي في كتابه روجرز، يجب عليك عند قراءة هذا المقال إظلام الغرفة وتشغيل الموسيقى التالية في الخلفية : Body Count 1992 Full Album أنا أسمعه الآن وأنا أكتب المقال، وعليك أيضا تخيل لوس أنجلوس وهي تحترق بعد حادثة رودني كينج الشهيرة عام 1991 عندما تعدت عليه الشرطة بالضرب وقام أحد الهواة بتصوير الاعتداء العنصري، ثم اشتعلت منطقة ساوث سنترال لوس انجلوس بأحداث العنف احتجاجا على عنصرية الشرطة الامريكية وانتشر العنف إلى عدة مدن حول الولايات المتحدة كلها.

كان آيس تي قوادا محترفا ولصا وعضوا في العصابات السوداء، قبل أن يتحول إلى موسيقى الراب في أواخر الثمانينات، ومن أوائل من غنوا نوعية الجانجستا راب أو راب العصابات، وهو نوع من الراب يمجد الانضمام إلى عصابات ويمجد حروب الشوارع ويمجد القوادة وتجارة المخدرات، رغم مجافاة ذلك للمنطق. إلا أن هذا النوع من الموسيقى يلاقي إعجابا شديدا ويعتبر هؤلاء مثلا عليا في الكفاح، وسأحاول توضيح ذلك في هذا المقال. بدايات الراب أصلا كانت لفض المشاجرات وتحويلها لمناقشات كلامية سلمية.

عام 1992 عاد ابن خالتي مع والدته من أبوظبي حيث يعمل والده، وأبوظبي مجتمع استهلاكي به الكثير من الأجانب، وبالتالي يمكنك أن تجد تنوعا موسيقيا في محلات الشرائط أكثر من الموجود في مصر وقتها، حيث كانت تحتكر السوق شركتين أو ثلاثة تتحكم بما هو معروض قبل ظهور الإنترنت طبعا، وجهاز رقابة مصنفات عقيم وجاهل، وكان معه هذا الألبوم، Body Count، وكان منبهرا به جدا، سمعت الألبوم ولم يعجبني من أول مرة، فلا هو راب أو هيب هوب من المتعارف عليه، ولا هو هيفي ميتال، ولكنه خليط من الاثنين، ويحتوي كمية عنف رهيبة بالوصف واللفظ. وأذكر أن هذه كانت أول مرة أسمع كلمة "ماذر فاكر" تتكرر بهذه الكثرة في حياتي. أخذت منه الألبوم ونسخت شريطا لنفسي على الكاسيت، أعجبتني التجربة موسيقيا، فهذه فرقة من السود تجرأت وقدمت موسيقى الهيفي ميتال التي كنت مهتما بها جدا وقتها، وكان الجيتاريست مع الفريق إيرني سي متميزا حقا، وعمل لاحقا مع ستون تيمبل بايلوتس وريج أجاينست ذا ماشين، بل ومع العظماء بلاك ساباث.

Body Count - Body Count (1992) Full Album

قرر آيس تي بمعاونة إيرني سي بداية فريق أسود للهيفي ميتال لكسر احتكار البيض لهذا الفن، على الرغم من أن من بدأ الهيفي ميتال أصلا كان جيمي هندريكس، ووجود عدد قليل من الملونين في المجال مثل سلاش وديريك جرين من سيبالتورا، وكان البوم بودي كاونت، أو عداد الجثث، هو أول إنتاجهم، ويحتوي أغنية بعنوان ذير جوز ذا نيبرهود، ومعناه بالعامية: المنطقة لمت، ويتحدث عن رد فعل الفرق البيضاء على ظهور فرقة سوداء تعزف الميتال، واسم الفريق والألبوم يرمز لإحصائيات الشباب المقتول في حروب العصابات في الشوارع كل يوم، والتي يذيعها التلفزيون الأبيض بدون اكتراث لأحوال الاقليات في المناطق الفقيرة من المدن. ظاهريا يبدو أن الألبوم كتب بنوايا حسنة، كما قال السيسي عن دستور مصر مؤخرا، لكن هذا الألبوم المتميز موسيقيا تحول إلى البوم جديد من البومات الجانجستا راب، واتهم بتمجيد العنف والعنصرية السوداء.

يبدأ الألبوم بصوت آيس تي وزميل له يوقعان بضابط شرطة عنصري متعجرف، ويطلقان عليه النار ويفران هاربين، ويحتوي أغنية بعنوان قاتل الشرطة أثارت الكثير من الجدل، واتهمت بتمجيد قتلة الشرطة، وأدت في النهاية إلى فسخ العقد ما بين ايس تي وشركة الإنتاج المملوكة لوارنر بروس بعد أن انتقدها الرئيس بوش الأب في ذلك الوقت، وبعد ضغوط من نقابات الشرطة. وبالرغم من حذف آيس تي للأغنية من الألبوم في الطبعات اللاحقة، شخصيا لا أرى في الأغنية مشكلة، فكراهية الشرطة هي نتيجة للعنصرية وليست نتيجة لأغنية، وقد سبق وغنى بوب مارلي وايريك كلابتون آي شوت ذا شيريف، وتمتلئ الأغاني الشعبية الأمريكية منذ عصر الكساد بتمجيد شخصيات مثل بريتي بوي فلويد وهو رجل عصابات على قتله لرجال الشرطة.

الألبوم ثري بالصدمات، فهناك أغنية يقتل فيها أمه لأنها عنصرية ورفضت أن يرتبط بحبيبته البيضاء، ويصف فيها كيف يشعل فيها النار وهي نائمة ويقطعها بسكين عيد الشكر، ويلقي أشلاءها في ولايات مختلفة، وأغنية بعنوان قضيبي الشرير وهي عبارة عن عزف لمشهد جنسي عنيف بموسيقى الروك، واغنية عاهرة الكوكلوكس كلان عن علاقة جنسية بينه وبين ابنة أحد المتعصبين البيض، يتحدث فيها بعنصرية عن فحولة السود مقابل خنوثة البيض، وأغنية عن السحر الأسود الفودو، وعن صديق له يموت بأزمة قلبية بسبب جرعة مخدرات زائدة بعنوان الفائز يخسر كل شيء، وتحتوي الأخيرة هذه على بعض صولوهات الجيتار الجميلة لايرني سي.

بالرغم من كل ما سمعتموه، فإن هذا لا يعتبر شيئا فيما ظهر بعد ذلك في موسيقى الجانجستا راب منذ العام 1992 حتى الآن، على يد سنوب دوج وآيس تي وآيس كيوب ودكتور دري وان دابليو ايه. فالفرق تتفاخر بعلاقتها بعصابات مثل البلودز والكريبز، وتتناول أغانيهم تمجيدا للعنف والعنصرية والعنف ضد النساء والهوموفوبيا وتجارة المخدرات والسرقة والاغتصاب، بل وظهرت تنويعة من الجانجستا راب المكسيكي تحت اسم ناركوريدو، ويتضح من الاسم علاقته بعصابات المخدرات أو الناركوتيكس. والطريف أن موسيقى الناركوريدو كانت في الأصل فقط الكوريدو، وكانت تحكي عن بطولات الثورة المكسيكية 1910.

أصبح الجانجستا راب الموسيقى المفضلة للمراهقين في المناطق الفقيرة ومناطق المهاجرين والأقليات، وبالتالي الانضمام للعصابات والانخراط في الجريمة الفعلية شرف للمراهق يميزه. فهناك موسيقى تصويريه لهذا الإجرام تمجده وترفع من شأنه، حمل السلاح في المدارس أصبح موضة، بل وانتقل الأمر لكل طبقات المجتمع حتى غير الفقيرة كثقافة. تعايشت شخصيا مع ذلك قليلا في بعض المناطق الفقيرة في نيويورك ونيوجيرسي، حتى أبناء المصريين الذين يعيشون هناك عرضة لهذا. كنا نعاني أنا وصديقة هناك مع ابنها لإقناعه بأن هناك في الحياة ما هو أفضل وأرقى من حمل السلاح وسماع تلك الموسيقى التي تمجد الإجرام وتحتقر المرأة. وربما نجحنا وبدأ الابن يهتم بالكاميرات والتصوير بدلا من السلاح.

جدير بالذكر أن مووسمان عازف جيتار البيز في فريق بودي كاونت، لقي مصرعه عام 2001 في إطلاق نار بين عصابتين في ساوث سنترال لوس أنجلوس. من الموسيقيين الذين لقوا حتفهم بسبب مشاكل العصابات أيضا: توباك شاكور، نوتوريوس بيج، جام ماستر جاي، برووف، بيج هوك، فريكي تاه، كاموفلاج، سيرجيو جوميز (المكسيك) الذي خطفته عصابة مخدرات وعذبته ثم قتلته لعصيانه اوامرهم. بالمناسبة آيس تي يظهر حاليا في مسلسل لو آند أوردر في دور محقق شرطة . يا للرخص.

عندما بدأت المهرجانات في مصر كانت موسيقى شعبية شبابية فرحة، وكانت الأغنية تسمى فرحة فلان، فهي أغاني أفراح في أغلبها، ومواضيع شعبية مقبولة، تعرفت بشكل شخصي على دي جي فيجو وعمرو حاحا وسادات وعلاء فيفتي سنت المصري وليس الأمريكي، كما تلاحظون هناك تأثر بالراب الأمريكي في الاسم الفني. حضرت لهم عددا من الأفراح في مدينة السلام ودعوناهم لإحياء حفلات خاصة لأصدقاء أعياد ميلاد وما شابه، وحاولنا إدخال مواضيع تقدمية وثورية وبالفعل أنتج الشباب بعض الأغاني التي تحمل طابعا ثوريا.

لكن مؤخرا ومع ركوب المنتجين السبكية الموجة من أجل التسليع والاستفادة المادية من حاجة بتبيع، بدأت ظواهر في الطفو، ليس الطفو بل بالأصح الطفح، ومنها مهرجان مافيش صاحب الذي انتشر فجأة انتشارا سرطانيا في التكاتك والميكروباصات، حتى إن الكليب الخاص به على يوتيوب كسر حاجز العشرة ملايين مشاهدة منافسا عمرو دياب وسعد لمجرد ده بتاع أغنية انت معلم. الأغنية يقدمها مراهقون يتضح فيها تمجيد لثقافة المناطقية وحمل السلاح ومعارك الشارع وعدم الاحتكام للقانون، هنتعامل، طلع سلاحك متكامل، هتعورني اعورك، جايب ورا تصبح مرا، وقت الجد احنا نصد اي حد ماسك خرطوش، الخ.

كليب مفيش صاحب يتصاحب حسن البرنس فقط وحصرى على شعبيات وبس اخراج نصر كاملMafesh Saheb Yetsaheb

ويبدو أن هذا المهرجان لاقى رواجا بسبب انتشار ثقافة البلطجة وأخذ الحق بالسلاح في بلد لا تسمح بحمله قانونا أصلا، في ظل غياب تام للسيادة وغياب للقانون، وغياب منفذيه اختباء من إرهاب كانوا سببا في ظهوره في اقسامهم المحصنة، أو بحثا عن نشطاء ضد النظام ومؤيدين للثورة، وترك الشعب ليصرف نفسه بنفسه ويحل مشاكله ويحافظ على ماله وعرضه ويدفع الضرائب ومرتبات هؤلاء الذين لا يخدمونه ولا يحموه.

في هذا الأمر رجوع واضح للبداوة وللمجتمعات البدائية المتصارعة قبل ظهور المدنية والدولة، فنحن ليس الأمر جديدا علينا، فقد شهدنا في مصر عصر الفتوات ومشاجرات فتوات المناطق، وروايات نجيب محفوظ عن الحرافيش غنية بالحكايات، بل التاريخ يعود أكثر الى الشعر الجاهلي وقصائد الفخر القبلي، ونذكر هنا المتنبئ الذي كتب في نفسه شعرا عن شجاعته ومهارته في القتال وفتح صدره قوي، فترصد له بنو أسد فهرب منهم فقال له احدهم مش انت اللي عرضتها وقلت: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟ أومال بتجيب ورا ليه دلوقت ياسطى؟ فرجع وحاربهم فقتلوه وقطعوا رأسه.

فكرة هذا المقال ظهرت من مناقشة بيني وبين أمير عيد مغني فريق كايروكي الذي كان يدافع عن مهرجان مافيش صاحب تحديدا على أنه نوع من الفن، وكنت أعارض رأيه. لست من دعاة الرقابة بالمرة، واعتراضي على منع عرض فيلم حلاوة روح مثلا مسجل في حلقة مع تلفزيون البي بي سي عربي، وكراهيتي لجهاز الرقابة بلا حدود، وأنا هنا لا أدعو لمنع مثل تلك الأغاني لأنها ستنتشر شئنا أم ابينا بطريقة الآندر جراوند، لكن يجب أن يلتفت انتباهنا لانتشار تلك الثقافة خصوصا بين الأجيال الجديدة، ولا نريد أن ينتهي الأمر كما في أمريكا بعصابات تقتل بعضها بعضا في الشوارع وتقتل الأبرياء وماكينة دعاية موسيقية تمجد الإجرام والعصابات، وتجند المزيد من الأطفال لينالوا المجد المزعوم.

BBC Arabic وائل عباس يهاجم قرار وقف فيلم حلاوة روح

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".