Reporters - "مصر لن تقنن الحشيش على الرغم من تجارب التقنين الناجحة في العالم"

رشا عزب تكتب: الكيف والسياسة.. الحشيش في جيب البيه الظابط

في منتصف نهار خريفي يجفف عرقه، سرت مع أحد الأصدقاء على كورنيش الاسكندرية في الاتجاه لمنطقة بحري، منيت نفسي بوجبة سمك طازجة يطيب من أجلها السفر 200 كيلو، الجو رائق فعلا، حركة المرور بطيئة، رغم أنها نهاية الأسبوع، حاولنا الاستمتاع بالجو رغم ريبة هذا الهدوء.

لكنه كان الهدوء المزيف، الآن عرفنا سبب حركة المرور البطيئة، مجموعة أشخاص بالزي المدني يبدو أنهم مخبرون يلتفون حول شاب نحيل، اعدموا العافية تقريبا من الضرب والركلات وتلطيش الوجه. يقف على زاوية رجل صخم الجثة، بشارب لا يختلف كثيرا عن شارب بطل فيلم زوجة رجل مهم، في الغالب يعتقد أن هذا الشارب يصرف مع المرتبات في الداخلية منذ تعيين الضباط، فهو علامة مسجلة. بالطبع هذا الضابط الكبير.

كان الطريق متوقف بسبب وصلة تعذيب الشاب على الكورنيش، بينما الناس تمر وتنظر بهلع ثم تسير مبتعدة قد المستطاع، مررت بجوار الشاب، سمعت صوت يد المخبرين على جسده، لم أعرف ماذا فعل، ولكن مهما فعل، هل ما يحدث في عرض الشارع مسموح به في أي عرف أو قانون.

فكرت قليلا أن أتدخل، أيقنت أن تدخلي سينهي مزاج اليوم، وربما تطير كل الأحلام بتمضية يوم صاف، لكنني لم أعد أحتمل استكمال اليوم بعد هذا المشهد، قررنا التدخل، سألت الضابط عما يجري، نهرني بالطبع، وقعت مشادة لفظية، تدخل المخبرين، حتى نالني وصديقتي جزء من ما حظي به الشاب، وكادت نظارتي الطبية أن تخرق عيني! بالمناسبة، من يومها أقلعت عن ارتداء نظارة طبية.

وبعدما توسعت الخناقة، رأى الضابط ضرورة أن ينسحب هو ورجاله من الشارع، بعد توتر الأجواء، خطفوا الشاب وتركونا، قررنا استكمال المعركة، فأجريت اتصالات من أجل عمل بلاغ ضد الضابط، وانتهي بنا الحال للذهاب للقسم الذي يعمل به الضابط، لتحرير محضر ضده! استقبلنا المأمور وقدم اعتذارات عديدة، وفجأة دخل الضابط ليسلم علينا، فرفضنا أن نمد أيدينا، فظل يتحدث بكل أدب، وكأنه شخصية أخرى غير البلطجي الذي كان يدير عصابة على كورنيش اسكندرية منذ قليل!

خطر ببالي فكرة، أن نقايض محضرنا ضد الضابط، بمحضر الشاب، خاصة بعدما علمنا أن الشاب الملقى القبض عليه، لم يفعل شيء، مجرد أنه كان يقود موتوسيكل، وشك فيه المخبرون بأنه يسرق الشنط من السيدات في الشوارع، لكنهم لم يجدوا معه سوى 21 جنيه!

إلى هنا، قرر الضابط أن يأخذنا إلي مكتبه للتفاهم. قلنا له: تضربونه في عرض الشارع لمجرد شك؟! وبدأنا نسرد الحقوق القانونية للشاب المسكين، وأن من حقه أن يقاضي الضابط ورجاله، فبهدوء تام، قال: لن يكون لديه حقوق إذا وضعت هذه في محضره، ثم أخرج من جيب قميصه الأزرق قطعة حشيش!

بهت وبهتت صديقتي، ونظرنا لبعضنا في خيبة أمل، حاولنا تجاوز ما حدث، وأصررنا على الإفراج عن الولد وتقطيع محضره، في مقابل التنازل عن محضرنا والاعتداء علىنا، وقد كان.

لم نأكل السمك، لم ننعم برائحة اليود، لم نقابل أصدقاءنا على المقهى، انتهى اليوم في قسم الشرطة تقريبا، عدنا للفندق منهكتين، نمنا بهدوء المصدوم.

هذه الواقعة، حدثت في خريف 2008، عرفت بعدها أن هذا الضابط، مسنود من كبار تجار المخدرات في حي المنشية، وأنهم يعتبرونه رجلهم الأول، وأنه بعد 28 يناير، وهروب الشرطة من الأقسام والشوارع، أصر تجار المنطقة على إقامة حفلة بإطلاق الأعيرة النارية كي يتمكن من دخول القسم بزفة تليق بعودة هيبة الشرطة، بعدما تورط في قتل عدد من المتظاهرين في جمعة الغضب.

لابد أن أذكر هنا، أن كل ما فات ليست قصة المقال المحورية، لكنها مدخل لما أريد قوله عن علاقة الحشيش بكل أطراف اللعبة السياسية في بلادنا.

لوهلة، رأيت أن الحشيش صار معيارا لواقع بلد وأحواله، لم يتحكم في مزاجه فقط، بل توازنه السياسي والاجتماعي، خاصة أن المصريين لم يطلقوا على مخدر وصف "الكيف" سوى الحشيش، رغم تعدد أصناف المخدرات، وهذا مدلول كاف على طبيعة العلاقة!

دعونا ننظر قليلا.

يختلفون كثيرا على كل شيء ويتفقون على تعاطي الحشيش، سلطة تمنعه قانونا، تتظاهر بمحاربته، تتاجر فيه بالباطن، يهادي رجال الشرطة أحباءهم بقطع نادرة ربما لم تنزل السوق، لكنها نزلت مخازن احراز الداخلية فقط، معارضة تتخذ موقف أخلاقي من الحشيش، تتعاطاه سرا أيضا، يهون عليهم جلسات السمر الخفيف، وبين هذا وذاك، شعب لا ينكر تعاطي الحشيش، يتفاخر دوما بالقطع الجيدة والغير مرشوش عليها مواد كيمائية، وحده الشعب الذي يجاهر بحبه للحشيش دون مواربة، لدرجة أن هناك من صدق وهم الانفلات الأمني في الأيام الأولى للثورة، وكتب إعلانا على شبكات التواصل الاجتماعي لبيع الحشيش، لكنه لم ينج، لأنه اخترق الهامش المتفق عليه حول بيع وتجارة الكيف!

هذا الهامش، هو متن العلاقة الحقيقية.

الضابط الذي يحتفظ في جيب قميصه بقطعة حشيش جاهزة لأي وضع، هدية، تهمة، رشوة، اصطباحه لنفسه.

القاضي الشهير الذي لا يدخل قاعة المحكمة ليحكم بين الناس دون أن يأخذ اصطباحته اليومية قبل النطق بحكام تصل إلي الإعدام والمؤبد، بينما يعلم سكرتير الجلسة والمحامين الذين يترافعون أمامه يعرفون ذلك!

الفنان الذي لا يقوى على الولوج لأفكاره دون أن يحصل على نصيبه من تفتيح المخ.

الطبيب الذي لا يعمل في بطن مريضه إلا بعد تناول جرعته السريعة من الحشيش.

كل هؤلاء نماذج تمثل علاقة هذا المجتمع بتعاطي الحشيش، الحكم الأخلاقي لم يعد يكفي لمنعه، ولا الحكم القانوني.

كلنا نعلم عن القاضي الحشاش، والضابط الحشاش، لكننا لا نستطيع التحدث عنهم جهارا، لكن يمكننا أن نتداول عن طيب خاطر سيرة الشاعر الحشاش دون مواربة، ربما لأنه جزء من النفاق المجتمعي المترسخ، والخوف المقيم.

كلنا نعلم في بلادنا، أنه يمكن لرتبة أمنية أن يذهب إلى أحد أفراح رجال الأعمال الكبار أو المحاسيب، ويهدي للعريس قطعة متميزة، بل ويصطحب رجاله للف السجائر، لكننا نتندر بحكايات معارضي النظام الذين يتعاطون الحشيش لأنها جريمة! الحشيش صار شريكا لأحداث سياسية جسيمة في مصر مؤخرا.

قبل حركة يوليو 1952 بشهور، وفي أكثر الأوقات في مصر اضطرابا، توسعت تجارة الحشيش في مصر، وقررت الداخلية شن الحرب على تجاره، وكتب من كتب عن أضرار الحشيش، حتي الكاتب العملاق عباس العقاد كتب في مجلة الهلال يوليو 1952 عن إباحة الحشيش وخطر ذلك.

في عصر الحشيش الذهبي في السبعينيات، خاضت مصر حربا بعد هزيمة مفجعة، ذيلتها باتفاقية سلام مع من تحارب وباعت مكاسب الحرب بالبخس لرضاء أمريكا، ودخلنا عصر الانفتاح الاقتصادي لتبدأ امبراطورية الطفيليات الرأسمالية، ولم تخرج!

وزير الداخلية الأكثر شعبية في مصر في حقبة الثمانينات، اللواء أحمد رشدي، الذي قرر إخلاء مصر من الحشيش، لم يستطع مداهمة الحي الأشهر لتجارة الحشيش "الباطنية" إلا بعدما تخلص من مرشدي الشرطة أنفسهم، والذين تعاونوا مع تجار المخدرات وكانوا يبلغونهم بتحركات الوزارة، ولما تفاقمت أزمة الحشيش بسبب إصرار الوزير على ذلك، اتحدت مافيا الحشيش في مصر التي كانت تضم وزراء وكبار رجال الدولة بمن فيهم رجال الداخلية، ليتم التخلص من أحمد رشدي في أقرب وقت، لتعلن مافيا الحشيش في اليوم التالي لرحيل رشدي عن إغراق السوق بصنف اطلقوا عليه "باي باي رشدي" الذي تمت إقالته بعد إحداث تمرد أفراد الأمن المركزي، ونزول الجيش للشوارع للسيطرة عليهم ولو بالقتل.

في 2010 مثلا، شهدت مصر أشهر أزمات الحشيش، لدرجة أن مذيعي برامج التوك شو تحدثوا عن الظاهرة، ومع قيام الثورة، خرجت تنظيرة قدامى المحششين الذين قالوا إن المصريين قاموا بثورة لغياب الحشيش لأنهم "فاقوا زيادة عن اللزوم".

مصر لن تقنن الحشيش، على الرغم من تجارب التقنين الناجحة في العالم التي قللت استخدامه، نظامها يريد اللعب في الهامش، ولن يرضوا عنه بديلا، سيظل الحشيش تهمة إن أرادت السلطة، وهدية وقتما تشاء، وستظل اقتصاديات الحشيش الأنجح حظا حتى من اقتصاديات السجائر التي تباع بشكل شرعي، لتظل لعبة الكيف والسياسة مستمرة.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك"