flickr - "ثقافة الحوار تحتاج مزيدا من الوقت والجهد التعليمي والتربوي والإعلامي لتطويرها"

د. أيمن بدر كريّم يكتب: المُتسكّعون في طُرقات "تـويتر"

أتابع باهتمام تغريدات وتعليقات تحرّرت مؤخرا من نمطية وحصار وسائل الإعلام التقليدية، وبـخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي يسهل على كثير من الأفراد، بمختلف مرجعياتهم الثقافية والاجتماعية، اقتحامها في أي وقت ومكان، نتيجة ثورة وسائل الاتصالات وانخفاض تكلفتها بشكل كبير، في تفاعل مباشر وسريع مع معظم الأخبار والأحداث والإشاعات ومقالات الكُـتّـاب وتغريداتهم الشخصية.

وفي ظل اتساع دائرة المشاركة الاجتماعية، وتشجيع متابعي الصحف الرسمية والإلكترونية على الإدلاء بآرائهم، ووصف معاناتهم ومشكلاتهم عبر منابر الصحافة ومواقع التواصل الإلكترونية معها، في إشارة إلى أن التفاعل بين الكاتب والمواطن والمسؤول صار جزءا ضروريا من الموضوعات المطروحة والقضايا المتناولة، بشكل قد يعطي انطباعا عاما جيّدا حول توجهات الرأي العام.

لكن من الواضح ظهور تعليقات لا تراعي الذوق العام، وتنتقد انتقادات غير لائقة أخلاقيا تفتقد إلى الموضوعية، أو تقدح في شخص الكاتب وتشكك في نيته وتوجه مقالاته، لمجرد اختلاف في الرؤية، مما يدل على انخفاض ذوق بعض المشاركين في التعليق والتغريدات، وفقدانهم الثقافة السليمة للحوار وإبداء الرأي المـجرّد.

ظاهرة كهذه قد تبعث على القلق، فالذين يقومون بالتعليق من خلال مواقع الصحف الإلكترونية، والتغريد في "تويتر" لا بد أن لديهم قدرا من التعليم والثقافة والوعي، ويتقنون استخدام الحاسب الشخصي والهواتف الذكية وتصفح الإنترنت، ويحرصون على زيارة مواقع الأخبار والمقالات والتواصل الاجتماعي، بل يزيدون على ذلك بتكوين انطباعاتهم، ومن ثمّ التعليق وإبداء آرائهم. فإن كان حال بعض أولئك المغرّدين يشير إلى تدهور مهارات التواصل السليم وقلة تربيتهم، وتدنّي مستوى الذوق السليم لديهم، فما بالكم بغيرهم؟!

وأما آخرون فهوايتهم التسكّع في ردهات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لديهم أوقات فراغ مديدة، وأجندات مُختلفة، للتربص ببعض الأخبار والمقالات والتغريدات، لينقضوا عليها بشكل فظ فج، ويصبوا جام عُقدهم العنصرية وأفكارهم المتشددة عليها وعلى كاتبها، ويقدحون في الناس بشكل شخصي، ثم يتجاوزونهم إلى غيرهم، ينتقدون بأسلوب عقيم وتعميم مذموم، وعاطفة لا تخلو من الشطط، ويكتبون أول انطباعاتهم وإن لم تتعلق بـموضوع الخبر أو فحوى المقال أو التغريدة، من أجل تسجيل حضور أو لفت انتباه، ليس أكثر.

لكني - بشكل عام - أرى أن مشاركات عدد كبير من القرّاء والمغرّدين أصبحت أكثر نضوجا، على الرغم من حداثة ثقافة التواصل الإنساني عبر الإنترنت على كثير من أفراد الـمجتمع السعودي، إلا أن ثقافة الحوار لديهم تحتاج مزيدا من الوقت والجهد التعليمي والتربوي والإعلامي لتطويرها وتعلّم مفرداتـها، ودعمها بأنظمة وقوانين تمنع التطاول الشخصي والقذف والبذاءة اللفظية وتحاسب عليها، كي نتقن سويا آداب التواصل بنوع من التجرّد والذوق الرفيع، وطرح الآراء بمهنية وموضوعية.

مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".