ANP - تاريخ الديانات الإبراهيمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، لا يخلو من العنف.

علي أنوزلا يكتب: "دواعش" إسرائيل

عندما أقدم مستوطنون إسرائيليون على إضرام النيران ليلا في منزل أسرة الفلسطيني "دوابشة"، وقتل رضيعه "شيا"، تحدث الإعلام عن كل شيء، عن العنصرية والكراهية والتطرف والعنف في أوساط المستوطنين، وخرجت مظاهرة شعبية كبيرة في تل أبيب تندد وتحذر من هذه الظاهرة التي تنخر المجتمع الإسرائيلي من الداخل. لكن كم من مقال أو محلل تحدث عن الجذور التاريخية والدينية للعنف اليهودي؟ بالتأكيد القليل، وحتى هذا القليل لم يجد مكانه في وسائل الإعلام السيارة وتلك الأكثر تأثيرا.

لنتصور لو أن الجاني كان فلسطينيا عربيا، والضحية طفل إسرائيلي، ماذا كان سيكون رد فعل وسائل الإعلام الغربية، أول شيء كان سيفكر فيه هؤلاء هو ربط الجريمة بجنسية ودين الجاني حتى لو كان يساريا علمانيا أو ملحدا.

واقعة أخرى تتقاطع مع ما سبق، هي عبارة عن خبر أورده الموقع الرقمي لجريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية يوم 20 غشت قبل أن تحذفه إدارة الموقع يومين بعد ذلك . الخبر يقول إن 30 شابا مغربيا من الطائفة اليهودية سافروا إلى إسرائيل للمشاركة في برنامج يستغرق 30 يوماً من التدريب في أكاديمية "أميشاي" العسكرية بالتعاون مع الاتحاد الصهيوني الإسرائيلي والمنظمة الصهيونية العالمية، في إطار مشروع ترعاه وزارة الدفاع الإسرائيلية.  إلى هنا انتهى الخبر بسلام.

أقران هؤلاء الشباب المغاربة من الدين الإسلامي لو أنهم سافروا إلى دولة أجنبية لتلقي تدريبات عسكرية لتم اتهامهم بالخيانة العظمى، وهناك الكثير من حالات الشباب المغاربة الذين قادهم حظهم السيء إلى مناطق نزاع أو توتر وعند عودتهم إلى بلادهم اعتقلوا بتهمة الإرهاب، فقط لأن دينهم الإسلام، فالانتماء الديني يدين صاحبه. وإلا ما الفرق  بين هؤلاء الشباب ومن بينهم فعلا من التحقوا بتنظيمات إرهابية قبل عودتهم إلى بلدانهم وهؤلاء مدانون، وبين شاب مغربي ذهب إلى إسرائيل وتدرب مع جيشها، وربما تطوع معه لعدة سنوات وخاض معه حروبا، وربما ارتكب جرائم حرب وعندما يعود إلى بلده المغرب لا يجد اسمه على لائحة المطلوبين للعدالة بتهمة الإرهاب؟ الفرق الوحيد هو الديانة وكأن الدين الإسلامي أصبح رديفا للعنف والإرهاب!

ما لا نسمع عنه عندما تقع جرائم بشعة مثل جريمة حرق الطفل الدوابشة، هو جذور العنف الإسرائيلي الذي بدأ مع بداية التاريخ اليهودي كما هو مسطر في أسفار العهد القديم الذي يحفل بقصص العنف والقتل والتنكيل بالمناشير ونوارج وفئوس الحديد، وتتكرر عبر أسفاره الوقائع التي تتحدث عن التدمير والحروب والقسوة والطرد والتشريد..

فالعنف هو أحد الثوابت في الفكر والعقيدة اليهودية التي تٌعلم أصحابها أن الخلاص المتمثل في نهاية العالم لن يتحقق إلا بعد إراقة بحار من الدماء، وكذلك نقرأ في بعض الأدبيات الإسلامية التي تبشر بالعدل الأخير ما قبل قيام الساعة الذي لن يتحقق إلا بعد قتل آخر يهودي على الأرض.

خلاصة القول أن أيا من تاريخ الديانات الإبراهيمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، لا يخلو من العنف.

فظاهرة "داعش" التي تٌجسد اليوم الوجه البشع للعنف المرتكب باسم الإسلام وجدت في تاريخ اليهودية والمسيحية، بل إن الدماء التي أٌريقت في تاريخ اليهودية أو تلك التي أريقت في تاريخ المسيحية هي أكثر بكثير من تلك التي أريقت ومازالت تٌراق في تاريخ الإسلام.

ليس الهدف من وراء كل هذه المقارنات والمفارقات تبرير جرائم "داعش" وأخواتها التي تمثل خطرا على الإسلام نفسه، وإنما للقول بأن العنف ليس إنتاج دين بعينه وإنما هو مرض بشري مقيت يوجد في كل المجتمعات وفي كل حقب التاريخ.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها.