flickr - شكسبير استوحى معظم قصصه إن لم يكن كلها من كتاب سابقين

وائل عباس يكتب: شكسبير لصا ومزورا للتاريخ؟

نشرت "الاندبندنت" مؤخرا خبرا مفاده أنه تم العثور على بايب به بقايا نبات القنب في حديقة شكسبير، متسائلة هل دخن شكسبير الحشيش؟ تربط الأساطير المدنية دائما ما بين الفن والإبداع وتعاطي بعض أنواع المخدرات التي تحفز الوعي والخيال، ومن ذلك كتاب شهير للكاتب "ألدوز هاكسلي" بعنوان أبواب الوعي، والكتاب عن تجاربه الشخصية مع عقار الهلوسة، والكتاب استلفته صديقة ولم تعده حتى الآن، فين الكتاب يا أسماء؟ استمد فريق الروك الأمريكي ذا دورز أو الأبواب اسمه من عنوان الكتاب الذي استمد عنوانه بدوره من مقولة للشاعر والرسام ويليام بليك: اذا فتحت أبواب الوعي للإنسان سيرى كل شيء على حقيقته . يقال أن بليك تعاطى الحشيش والافيون والداتورة أيضا كما أنه تأثر في أشعاره ولوحاته بشكسبير.

لكن هذا المقال لن يكون عن المخدرات، فموضوعنا اليوم عن شكسبير، الذي يدعي جون توماس لوني صاحب النظرية الأوكسفوردية أنه ليس الكاتب الحقيقي لمسرحياته، بل ادوارد دي فير، "الايرل" السابع عشر لأوكسفورد، وقد بنيت على هذه النظرية أحداث الفيلم الشهير أنونيموس أو كاتب مجهول، لو كنت من محبي هذه النظرية، وأنا شخصيا مش مؤمن بيها قوي، ها يعجبك كتاب للكاتب الألماني كورت كرايلر بعنوان الرجل الذي اخترع شكسبير، 595 صفحة من الأدلة الظرفية التي تثبت أن دي فير هو شكسبير الحقيقي. في عام 1987 عقدت محاكمة غير رسمية للفصل في النزاع بين شكسبير ودي فير ترأسها ثلاثة قضاة في المحكمة العليا الأمريكية وحكمت لصالح شكسبير، لكن أحد القضاة جون بول ستيفنز تراجع عن حكمه في 2009 وقال أنه مقتنع أكثر بنظرية أوكسفورد.

كما قلت أنا لست من المؤمنين بالنظرية الأوكسفوردية، لكن في نفس الوقت لست من محبي شكسبير المتيمين بموهبته، بل أنا مؤمن بأن شكسبير استوحى معظم قصصه إن لم يكن كلها من كتاب سابقين، وأعاد كتابتها من أجل التطبيل للملكة إليزابيث والعائلة التيودورية الحاكمة، لم يكن شكسبير صانعا للآلئ بل كان مجرد لاضم لها، موهبته كانت في لضم الكلمات، خصوصا براعته في ما يسمى "الإيرلي مودرن انجليش"، على عكس ما يظن غير المتخصصين والطلبة أنه قد كتب مؤلفاته بالأولد إنجليش أو الإنجليزية القديمة، ودي كانت حاجة تانية خالص أشبه بالألمانية، في عصر بدأ فيه انحسار الميدل إنجليش أو اللغة الإنجليزية الوسيطة، ليحل محلها بدايات عصر الإنجليزية الحديثة التي استوعبت ما دخل عليها من اللاتينية بفعل الكنيسة ومن الفرنسية بفعل الغزو النورماندي.

من أمثلة الإنجليزية القديمة قصيدة بيوولف الشهيرة ومنها اقتطف: بويد كينينجا بريم جيفرونون، طبعا ده صوته مش إنجليزي خالص لكن دي جملة معناها الملوك السابقين الذين سمعنا قصصهم. ومن أمثلة الإنجليزية الوسيطة كتابات تشوسر مثل حكايات الكانتربيري ومنها اقتطف: Ye seken lond and see for your wynnynges ومعناها You seek land and sea for your winnings وهنا نستطيع أن نقول إننا فاهمين شوية رغم أنه مازال فيه رواسب جيرمانية ودنماركية في الكلمات وتصريفات الافعال، أما الإنجليزية الحديثة فهي كتابات شكسبير اللي نقدر نقول إنه كان بيكتب عالموضة وقتها زي موضة موسيقى المهرجانات الشعبية مثلا دلوقت وعلشان كده كان له شعبية بين الناس، وكان حضور مسرحياته يكلف بيني انجليزي واحد فقط وهو جزء من الشلن الذي هو جزء من الباوند أو الجنيه وهو مبلغ يستطيع دفعه الخبازين والحدادين والنجارين وصناع الباروكات وكل اصحاب المهن البسيطة، بمعنى أدق كان شعبيا.

كان شكسبير قارئا جيدا، استمد قصصه من مصادر متنوعة، حتى الآن لم أجد قصة له من تأليفه بالكامل أو من إنتاج خياله، ومستعد للرهان بفلوس كمان على هذا الأمر، فدائما ما تجد مصدر من الكتب التاريخية أو القصائد القديمة أو الروايات الإيطالية لما يحكي، بصرف النظر عن براعته مع اللغة كما أسلفت، ما يهمني هنا هو أصل كل حدوتة. جيوفاني بوكاشيو من القرن الرابع عشر هو صاحب كل شيء بخير وسينتهي بخير والسيدان من فيرونا، آرثر بروك هو الكاتب الاصلي لروميو وجولييت بعنوان القصة التراجيدية لروميوس وجولييت عن أصل إيطالي لماتيو بانديلو عن لويجي دا بورتا قبل منه، لكن بروك نقل من نسخة فرنسية لبوايستو.

استمد شكسبير قصص كل من مسرحياته التاريخية التالية: هنري الرابع وهنري الخامس وهنري السادس وهنري الثامن وريتشارد الثاني وريتشارد الثالث والملك لير وماكبث وسيمبلين من مدونات المؤرخ رافائيل هولنشيد او هولنزيد عن تاريخ إنجلترا وإيرلندا وسكوتلندا، لكن شكسبير لم يكن أمينا بالمرة في نقل الأحداث التاريخية بل تلاعب بها لصالح الدعاية للعائلة التيودورية الحاكمة والملكة إليزابيث ضد خصومهم ومنافسيهم على العرش، نعم كان طبالا كبيرا. وسنجد في ريتشارد الثاني نقل حرفي بالنص لحوارات بعينها من هولنشيد.

أما مسرحيات شكسبير الرومانية فقصصها مأخوذة من كتابات المؤرخ اليوناني بلوتارك، خصوصا كتاب بلوتارك بعنوان حيوات متوازية، ومنها يوليوس قيصر، أنطونيو وكليوباترا، كوريولينوس، تيمون الأثيني. أما هاملت فهي مأخوذة من كتاب المؤرخ الدنماركي ساكسو جراماتيكوس باللاتينية بعنوان افعال الدنماركيين، ويحكي فيه قصة الأمير آمليث الذي حوله شكسبير إلى هاملت. جدير بالذكر أن إنجلترا وقعت تحت الإحتلال الدنماركي وغزوات الفايكنج لفترات متقطعة من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر أثرت في النقاء العرقي واللغة والقوانين وحتى في الأدب والتراث الشعبي.

الكلام بالتفصيل عن كل رواية ومصادرها سيطول وسيحول المقال إلى بحث أكاديمي كفانا الله الشر، سأكتفي هنا بضرب مثل بمسرحية ريتشارد الثالث، وقد استمدها شكسبير من هولنشيد ومن كتاب ادوارد هول عن اتحاد عائلتي لانكستر ويورك ومن كتاب توماس مور تاريخ ريتشارد الثالث وكتاب ويليام بالدوين مرآة الحكام، ومع ذلك لم يلتزم بالحقائق التاريخية وأمعن في تشويه صورة وتاريخ ريتشارد الثالث حتى أنه جعله أحدب دميم مشوه شرير ناقم على كل شيء جميل وعلى كل قصة حب حوله، قتل بدم بارد ولا يعترف بقوانين الله أو الناس، ليكرهه الجمهور ويهللون لموته في النهاية، بينما كان ريتشارد الثالث كما قال المؤرخون وكما رسمه الرسامون المعاصرون طويلا وسيما وزير نساء، وكما عرفنا من عظامه التي إكتشفت حديثا تحت موقف للسيارات في ليستر، وأثبتت دراسة عموده الفقري فبركة شكسبير وتلفيقه.

المسرحية كتبت خصيصا للتطبيل، ومش هاقول الكلمة القبيحة اللي انتم عارفينها، لإليزابيث وجدها هنري تيودور أو هنري السابع الذي أزاح ريتشارد الثالث وعائلة يورك من الحكم في معركة بوزوورث أخر معارك حرب الورود، وحرص هنري تيودور على أن يجعل من ريتشارد الشرير الأعظم ومن نفسه المخلص الأعظم، وأن تخليصه للشعب الإنجليزي من ريتشارد هو جميل ومنة ومنحة منه لهم لا يجب أن ينسوه، وكافأ كل الكتاب والمؤرخين الذين جاملوه وأجزل لهم العطاء، تماما كما يفعل ديكتاتور عربي معاصر في الرئيس الذي سبقه والذي أزاحه بانقلاب عسكري طبل له بعض المثقفين والسياسيين المرتزقة والثوار المغفلين، والحقيقة أن الاثنين أشر من بعض فالأول من اصل نورماندي جاء بانقلاب قتل فيه أميرين في البرج والثاني جاء بعد حرب أهلية قاتل فيها الإنجليز بعضهم بعضا واستعان هنري بجنود أجانب.

فترة الانتقال بين بيت يورك وبيت تيودور شهدت الكثير من المؤرخين القوادين والطبالين مثل جون روس وكان رجل دين وخريج جامعة اكسفورد، ولطالما طبل ونافق ومجد في ريتشارد الثالث ناعتا إياه بال جوود لورد، لكن بمجرد وصول هنري تيودور للحكم قلب تطبيله 180 درجة للحاكم الجديد وهو أول من كتب أن ريتشارد كان أحدبا ولدته امه مسخا مشوها مشعرا أسنانه نابتة بعد فترة حمل إستمرت سنتين، تماما كما هي فترة الانتقال بين المرساويين والسيساوية وجو تسلم الأيادي اللي انتم عارفينه ده.

في النهاية ناس ممكن تقول مين وائل عباس ده أصلا علشان يتكلم على شكسبير، الناس دي ما تعرفش إن تخصصي الأصلي هو الأدب والتاريخ الإنجليزي، ودرست شكبير لمدة أربع سنوات دراسة اكاديمية، وتحت سريري كراتين يعلوها التراب من الأوراق والكتب عن شكسبير استخدمت بعضها في هذا المقال، ورأيي النهائي إن شكسبير كان كاتب مسلي زي أحمد مراد وأنيس منصور وراجي عنايت ومصطفى محمود واحمد خالد توفيق كده، مؤلفي الكتب اللي بيقراها الشباب عالبحر في المصيف دي، وزيه زي كتاب كتير اعتمدوا على قراءاتهم والاقتباس من مصادر أجنبية اعتمادا على أن القارئ لا يعرف إلا العربية ولا يمكن يكشفهم وشدت كتاباتهم المراهقين، لكنه في النهاية منافق وطبال.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها.