reporters - "هل يحتاج مداح الله إلى أسطورة توميء إلى ما سيكونه؟"

أحمد الفخراني يكتب: المنشد زين محمود.. تحليق في سماء المديح والروك آند رول

"يبكى ويضحك

لاحزنا ولا فرحا

كعاشق خط سطرا في الهوى

ومحا"

في صوته الدين وفي قلبه الدنيا، منشد كان طموحه أن يغني الموال، أن يكون مطربا، فالطرب "يعني الطيران بعيدا عن القيود" ،أستاذته أم كلثوم، ومطربه الشخصي محمد عبده، تعلم منهم أصول الطرب، أسرار الطيران، كان يغني لأم كلثوم ومحمد عبده سرا. "من الصعب في أسرة صوفية أن تقنعهم برغبة ابنهم المنشد في التحليق كمطرب".

الصعيدي زين محمود ابن بني مزار بالمنيا ابن الأسرة التي تنتمي للطريقة الشاذلية ،بدأ مداحا وراء أخيه، كان عمره 13 عاما وقتها، طفل يجيد الغناء ولا يلتفت أحد إلى موهبته، مات أخوه  كأنه ولد ليمنح أسرار الإنشاد لشقيقه الموهوب، الذي سينطلق من بني مزار إلى باريس.

كان عليهم أن يجدوا منشدا آخر، استصغروا سن الولد. "إزاى نذكر الله ورا طفل صغير".

قبلوا بالتجربة، ليرفعوه من مقام الطفل الصغير إلى الشيخ المعمم، ذابوا ذكرا وراء صوته. "تخطفونى من منزل إلى منزل"، يقول زين.

11عاما قضاها زين محمود ينشد في بني مزار، قبل أن يلتقطه حسن الجريتلي صاحب فرقة الورشة، كان عمره وقتها 24 عاما.

كان ذلك تحديدا ما لبى أشواق زين محمود إلى الطيران، في القاهرة، في فرقة الورشة، تعلم زين محمود غناء الموال، تماما كما تمنى صغيرا، بل وتعلم المونولوج على يد حسن خلوفة آخر من يعرف أسرار خيال الظل والأراجوز بل وتخطى زين إلى آفاق الروك آند رول والراب.

شهية مفتوحة لتعلم كل شيء، صوت يدرك السر، وعقل مرن لايكف عن التعلم، عن الاستيعاب.

سافر إلى الأقصر مع الجريتلي لتعلم السيرة الهلالية، خلال عام ونصف على يد سيد الضوي الذي دربه على روايتها، ليدخل زين بعدها في تجربة حكي ويقدم دور قاض في مسرحية الورشة.

قدم زين بعد ذلك عدة مسرحيات مع فرقة الورشة منها حسن ونعيمة، حتى رأى الجريتلي أن لزين جمهوره فاقترح عليه أن ينشئ فرقة أسماها الشيخ زين ورفاقه.

يضحك زين بطيبة صعيدي أسمر وهو يتذكر: "كان اسمها في الأول الشيخ زين وصحبته، وفي الحفل الأول لي في الجزويت نطقها أبونا هكذا: والآن مع الشيخ زين وصاحبته، لأغرق خجلا ويغرق الجمهور من الضحك، ليتحول الاسم بعد ذلك إلى الشيخ زين ورفاقه، كان ذلك عام 2004"

هل يحتاج مداح الله إلى أسطورة توميء إلى ما سيكونه، ربما ليس المداح هو ما يحتاج إلى أسطورة، بل الموهوب من عينة زين محمود. "كان جدي صوفيا، شاذليا، ومن عادتهم إطفاء النور أثناء الذكر، وأنا ابن سنتين كان جدى يحضرني وسط الذكر، لكن أمي خافت علي من وجودي وسط الظلمة، لكن جدي كان يقول لها "الذكر سيكون نوره، أنا بزرع في قلبه تقاوي، عندما سيكبر هذا الولد سيصير مداحا"

أول ما حفظ زين من الأناشيد كانت قصائد كتاب الجوهرة لعبد القادر الجيلاني، حفظها على يد أخيه. "كان أبا، معلما، نهارا ساطعا، حتى الموت لم يستطع أن يطفئ القنديل الذي أضاءه في قلبي".

كان يعلم أن موهبته أكبر من الإنشاد، قلائل من يملكون الموهبة، لكن الأكثر ندرة هم من يملكون طموح الثورة على الموهبة، البحث في آفاقها، والتمرد على القالب الذي أراده الناس كمصير أخير لتلك الموهبة. "الإنشاد رِتم واحد معروف، لكن الغناء مفتوح".

"قلب تمرس باللذات وهو فتى

كبرعم لمسته الريح فانفتحا"

لم يكن يعرف كيف سيؤدى الأغنية التي غناها في فيلم باب الشمس، كان اختبارا صعبا،"عندما وضع تامر كروانة اللحن رأى أن الأغنية تحتاج إلى فقي، ولو كان هناك أحد لكان النقشبندي"

أخبره كروانة أنه يرى فيه خليفة النقشبندي.

عندما ذهب إلى الإستوديو سمع اللحن لمرة واحدة قبل أن يقول له كروانة: "سنسجل غدا". لم يكن زين قد حفظ اللحن، يوم التسجيل حدث خلاف بين ما أراده كروانة وبين ما رآه زين، طلب زين أن يرى المشهد الذي سيغني عليه. "كان يحتاج إلى صراخ لا إلى إنشاد". صمم زين على ما أراده، عندما دخل للتسجيل لم يلتفت إلى وصايا كراونة، وماأن بدأ بالغناء حتى وجد يسري نصر الله وكروانة ينتفضان من مقعديهما، وهما يقولا له: استمر. سجلها في ثلاثة دقائق.

يبكي ويضحك | الشيخ زين محمود

سألته: كيف طوعت صوتك لتؤدي هذه الأغنية، كأنك مطرب أصيل؟

أجاب: الفنان الحقيقي يحمل في داخله صندوق عدته، بداخله كل شيء، يعرف ما الذي سيخرجه، وفي أي وقت، ثم أن التعلم سهل لي كل شيء وجعل صوتي كقطعة صلصال، يمكنني تشكيلها في أي وقت وبأي طريقة، جربت كل شيء، لذا لم يكن صعبا أن أغني مع فرقة راب في فيلم جنينة الأسماك".

يحتفي زين بقيمتين غريبتين على منشد ومداح، اللعب والتجريب والمغامرة، الشيء الذي لم يتحقق له هنا، بل السفر بعيدا نحو بلاد تقدر اللعب والمغامرة وتضع الموهبة قبل أي اعتبار.

بدأ السفر نفسه كمغامرة إلى فرنسا دون أن يعرفه أحد أو يقدمه أحد، لم يمر شهر حتى صار يعرض في أكبر مسارحها، ليكون فرقته في مارسيليا، حيث يستطيع الناس تقبل اللعبة التي حاول أن يفعلها في مصر، ولم تلق قبولا فقد ربطه المتلقون في مصر في قالب واحد هو قالب المنشد المعمم، بينما هو يرغب أن يطير. في مارسيليا استطاع أن يمزج الإنشاد الديني الإسلامي بموسيقى الروك آند رول في تجربة لاقت استحسانا وقبولا، جعله يقيم في فرنسا ويتزوج من إسبانية والتي أنجب منها ولده ربيع الذي ورث عن أبيه حلاوة الصوت والرغبة في الطيران.

أحلام صاحب يبكي ويضحك لاتتوقف عن السريان،  يحلم بأوبرا مصرية يقدم فيها حسن ونعيمة والسيرة الهلالية، حاول أن يفعلها من ماله الخاص، لكنه لم يستطع فالحكاية تحتاج إلى تمويل دولة.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".