صنعاء.. تواصل حياتها رغم الرصاص والدم

صنعاء - طلقة.. طلقتان .. ثلاثة طلقات من بندقية.. آلية، أعقبتها رشقة سريعة من رشاش خفيف وثم ساد صمت قصير. لم يتحرك أحد من مقعده في مقهى الانترنت الذي كنا نجلس فيه، الممتلئ لآخره بشباب يتصفحون الانترنت عند منتصف الليلة تقريباً. حدث إطلاق النار على بعد سبعين مترا من حيث كنا نجلس عند تقاطع شارعى الزبيري والدائري في قلب صنعاء. خرج أحد الشباب ليعود بعد قليل معلنا أن سيارة تجاوزت نقطة التفتيش العسكرية فاطلق عليها النار ولم ُيصب أحد.
 
حزن وغضب وأجواء قاتمة
 ليس من الغريب أن تسمع أصوات الرصاص في صنعاء، لكن الأجواء أكثر قتامة وتوترا هذه الأيام بعد الهجوم الدموي على مستشفى عسكري خلف 58 قتيلا.  وتصاعد الحزن والغضب لحد غير مسبوق، بعد أن عرضت كل محطات التلفزيون في اليمن صور الكاميرات الداخلية المثبتة في المستشفى والتي أظهرت المهاجمين يطلقون النار ويلقون القنابل اليدوية بدم بارد على المرضى والأطباء والممرضات العزل.
 
"ألم يطلقوا سراح هولندية مختطفة قبل أيام؟ هل هذا وقت يجيء فيه عاقل إلى اليمن؟ هكذا قال لي سالم عبد الجبار الأربعيني في جلسة بعد أن سألني عن سبب زياتي لليمن، مذكرا الحاضرين أنه يأسف أن يقول ذلك عن بلاده لكنها الحقيقة.
انبرى له احمد ناجي الذي يدرس الصيدلة في الجامعة بأن هذا هو الوقت الذي يحتاج فيه اليمن لمساندة العالم ولحرية التعبير والصحافة الحرة المسئولة وللحكم الرشيد والشفافية اكثر من أي وقت مضى . الاصدقاء الحقيقيون تراهم في مثل هذا الوقت.
 
الأمن قبل كل شيء
التدهور الأمني يمسك بخناق كل شيء في اليمن من هجمات القاعدة وحرب الحوثيين في محافظات صعدة وحجة وعمران إلي صعود نجم الانفصاليين في الجنوب والاعتداءات حلى حقول النفط وخطوط نقل الكهرباء التي تغرق صنعاء ومناطق أخرى في الظلام كل ليلة وتنقل رسالة يفهما كل طرف بطريقته الخاصة.
 
لكن إرادة الحياة والأمل في المستقيل والرغبة في صنعه وفق رغبتهم تفيض من عيون الشباب الذين التقيناهم في كل مكان. إنهم يمضون في حياتهم ساعين إلي جعلها عادية باعتبار أن تلك هي الطريقة الوحيدة للتعالي على ما يحيط بهم من احباط.
رحب الذين تحدثنا اليهم بمشروع اذاعة هولندا العالمية " ساحة شباب اليمن" الذي يستمر لستة أشهر ويهدف إلى المساهمة في تعزيز حرية التعبير وتمكين الشباب ودعم الاعلام خاصة في مجال  توطيد الحكم الرشيد.
 
شكوك وأمل
لكن بعضهم تساوره الشكوك في كل شيء ولا يستثنى مشروعنا، يقول طالب جامعي فضل حجب اسمه: "نستطيع ن نقول ونكتب كل شيء ولا ينقصنا حرية التعبير المهم هو أن نضع حدا لحرية القتلة الذين يسفكون الدماء كل يوم . على الحكومة ان تستعيد سلطتها وسيطرتها على العاصمة قبل الحديث عن صعدة وشبوة ومأرب. وهل يمكننا الاعتماد على الطائرات الأمريكية بدون طيار للأبد؟ هذا الظلام الذي تشهده الآن هو نتيجة لاعتداء وقع اليوم وهو السادس والأربعين على خطوط نقل الكهرباء خلال ثلاثة أعوام". 
 
التغيير السياسي السلمي (نسبيا) الذي حدث في اليمن بإزاحة الريس السابق علي عبد الله صالح جاء نتيجة دعم إقليمي ودولي قوي ويبدو انه سيقف في منتصف الطريق إذا لم يتمكن مؤتمر  الحوار الوطني المستمر منذ عدة اشهر في التوسط لحلول وسطى ترضى وتستوعب أطرافه المتناقضة التوجهات والمصالح. ليس هنالك طرف قادر على فرض حلول غير مقبولة على الاخرين بأية وسيلة بما في ذلك القوة العسكرية العارية ويبدو أن ما يمنع حرب أهلية منفلتة في اليمن هو أن توازن القوى السياسية والعسكرية على الأرض لا يسمح لأي طرف بأن يحلم باستبعاد الآخرين وإزاحتهم عن طريقه.
 
من صنعاء - محمد عبد الحميد عبد الرحمن وأنس بنضريف.