reporters - "الحزن جزء من المكان وخصوصيته، الحزن على ما ضاع، على بقايا الأحلام"

أحمد الفخراني يكتب: في مقهى الحرية.. مصر "محلك سر"

كالمتشبثين بالذكريات لا الأحلام، بهاجس لا برغبة، بحنين لا بأشواق، يجلس الناس على مقهى الحرية في باب اللوق.. نصف مقهى، نصف بار، تاريخ يعود إلى منتصف الثلاثينات وشموخ يتآكل يوما بعد يوم.. مقهى يديره أصحابه والعاملون فيه بنصف اكتئاب ونصف طيبة .."محب" يبدو من بعيد كمراب يهودي، لكن بالاقتراب منه تكتشف طيبته التي تختبىء خلف نظارة طبية وأسوار من الحذر، لا يغادر محب مجلسه ولا يترك جريدته، لكنك تعلم جيدا أنه يرى كل شيء، ويعرف أكثر مما قد يبدو عليه، يحدثك أحيانا بالإيماء لا يفرط في أكثر من 4 كلمات على الأكثر، لقد شاهد بشرا إلى حد المعرفة والملل.. فما حاجة من حمل كل تلك المعرفة إلى الحديث.

"وليم" يملك عينين عنيفتين، يقدم لك القهوة أو البيرة كأنه يخلص ثأرا قديما، في بداية ارتيادي المقهى، ظننت أن الأمر شخصي، واعتقدت أنه لايستلطفني، لذا تحمل قهوته كل هذا الجفاء، وفي كل مرة كنت أقسم أني لن أعود إلى المقهى مرة أخرى، لكني كنت أعود دائما، فالمكان الذي تتسرب جاذبيته بهدوء إليك، تجعلك تعود ولو للفرجة على الناس، خليط من العجائز والمثقفين والأجانب ولاعبي الشطرنج. مع الوقت علمت أن وليم لا يقصدني شخصيا بجفائه، وقال لي من حولي "إنه فقط هكذا".. "وليم" يبدو دائما محبطا، كأن دوامة من الذكريات التعيسة تعتصر دماغه وقلبه حتى آخر قطرة، وأحيانا يبدو كمن تعرض لتوه لخديعة.. عندما تكتشف هذا تجد نفسك تعامله بإنسانية تنسى جفاءه وتحترم حزنه.

الحزن جزء من المكان وخصوصيته، الحزن على ما ضاع، على بقايا الأحلام، على هاجس الحريصين على أن تكون الحرية مقهاهم، "الحرية" كلمة تملك غواية، لأننا حقا لا نملكها.

يقول الشاعر مصطفي الجارحي أحد رواد المقهى "الحرية": للاسم شهوة تدفعني لارتياد المكان، الأمر لا يقتصر فقط على رؤيتي لأصدقائي لكن ذلك المقهى تحول عندي إلى ما يشبه الحبيبة.. حميمية علاقة الجارحي بحبيبته/المقهى تدفعه دائما أن يتعامى عن أخطائها وعيوبها و"غلاسات" النادل وسرقاته الصغيرة أحيانا.. يقول الجارحي: هناك التقيت حبيباتى ذات يوم، لكن مقهاي تعرف أنها ملكة قلبي المتوجة، لذا فهناك رغم زحامها المبالغ فيه إلا أنها تحتفظ له دائما بمقعد حتى ولو كان مفلسا.

يعود تاريخ انشاء المقهى إلى الثلاثينات، أنشأه يوسف أفندي، ربما كانت الحرية وقتها حلما حقيقيا لا مجرد هاجس نحاول تحسسه، أو نبوءة من يوسف أفندي أن الحرية لن توجد إلا في مقهاه، ربما لهذا اختار لها هذا الاسم.

مات يوسف أفندي، لم تتحقق الحرية، لكن مقهاه الذي يقع في شارع مظلوم في ميدان الفلكي بباب اللوق صار كشاهد قبر يذكرنا بما يجب أن نسير نحوه.

تحمل يوسف أفندى خسائر كثيرة في البداية، فالشارع كان وقتها بعيدا عن العمران، حتى الحرب العالمية الثانية في عام 1942، المفارقة أن مكتشف مقهى الحرية هو المحتل الإنجليزي الذي فضل ضباطه المقهى ذات السعر الرخيص والمشروبات الجيدة، أوربما للسبب الأهم أنه كان ما زال بعيدا عن حركة الناس، عندما يدخل المحتل أو السلطة  مكانا سيتبعه الباشا ثم البك ثم رجال الشرطة والجيش.. ليصبح رواد المقهى في الأربعينات هم صفوة المجتمع. كان من رواده زكريا أحمد وأنور السادات ورشدي أباظة وشكري سرحان وأحمد حسن الباقوري.

في السبعينات اختفت طاولاتان بلياردو من المكان لعدم إقبال روادها على اللعب، وكان ذلك أحد الأحداث الجوهرية القليلة في المقهى الذي لم تتغير ملامحه منذ ما يزيد عن 70 عاما، لأن اختفاء الطاولتين منح المقاعد وطاولات الجلوس متنفسا أكبر. أما الحدث الثانى فهو اختفاء الحوائط التى كانت تفصل بين النساء والرجال.

المقهى ظل غواية المثقفين واليسار الجريح ، هناك أيضا كان يجلس سعد زهران، القامة الشامخة الذي شارك في بناء تاريخ الشيوعية في مصر، واعتقل بسبب مواقفه السياسية، سعد زهران الذي توفي العام الماضي عن عمر يناهز 88 عاما، آت من زمن بعيد، زمن التنظيمات التي تعمل تحت الأرض، زمن اليسار أثناء تكوينهم الفكرة تحت سراديب تصبر على الظلام حتى يدفعوا بها إلى النور، واحد ممن شكلوا تلك الفكرة على أيديهم، ودفعوا ثمنها غاليا، اعتقل زهران عام 1959، وتحدث عن تجربة الاعتقال وتعرضه للتعذيب في كتابه المهم "الأوردى" ثم سافر إلى منفاه الاختياري بالجزائر في أواخر الستينات ليعود إلى الوطن عام 1979 ليجد مصر قد تنازلت عن أحلامها الكبرى طواعية، مقابل أن تحيا، لكن بالتأكيد كان الوضع أفضل من تنازل مصر عن أحلامها الكبرى والصغرى.

نينا وهايدى فتاتان من عين شمس، يأتيان إلى وسط البلد أحيانا، يجلسان دائما خلف قاعدة خشبية تخفيهم عن نظر المارة، يقولان إن ذلك هو المكان الوحيد الذى يستطيعان فيه ارتكاب نزواتهم الصغيرة – كما أسمياها –يأتيان هنا فقط ليمارسا متعة التدخين دون أن يندهش أحد، يتقاسما معا علبة سجائر تعلن انتهاءها موعد عودتهما إلى المنزل يقولان: نحضر هنا لأن كل واحد هنا في حاله، ماحدش بيتطفل أو بيعاكس.. بنيجي هنا عشان نتنفس "

يقول أحمد عبد العال.. مدير علاقات عامة بشركة بترول: "أذهب للحرية لأنها مقهى تحمل شخصية خاصة، ما أكثر المقاهي لكن ما أندر التي تحمل روحا تشبه بصمة الإصبع لايمكن تكرارها، مقهى الحرية لا يشبه أحدا، مقهى بلا قيود سوى احترام خصوصية الآخر، لا أحد ينتهك سرك الصغير، أنا لا أشرب البيرة أنا أوشوشها، أحمل إليها همومي البسيطة فكأس البيرة مستمع جيد ، فلم يعد هناك مستمعون جيدون، في الخارج الكل يتحدث باستمرار، لا أحد يتوقف ليستمع، بلد كامل يدور في حديث صاخب وفارغ يفقد الأمل ولا يمنح إجابات، جاذبية المكان في تلك الخصوصية رغم سوء الخدمة حتى أنهم لايقدمون سوى الترمس فقط مع البيرة ، وتفتقد إلى البار مان الجيد".

*مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".