ويكيبيديا - ليس في المذهب العلوي تشريع دنيوي يتيح الكلام عن "دولة علوية" كمقابل لدولة إسلامية

أي معنى للدولة العلوية!

كلما اقترب المسلحون الإسلاميون من مناطق الساحل السوري، زادت مخاوف أهل الساحل أكانوا من العلويين أم من السنة. جميع أهل الساحل، بمن فيهم الوافدون الجدد، محط تهمة لدى هؤلاء المسلحين، تهمة سياسية (مهادنة النظام السوري) أو تهمة مذهبية (الولادة على غير المذهب السني) أو كلاهما.

هؤلاء الإسلاميون هم مقاتلون مذهبيون، لا يكتفون باعتبار مذهبهم المذهب الحق ككل جماعة مذهبية، بل يحيلون اعتبارهم هذا إلى مصدر ذاتي للشرعية (شرعيتهم)، يخولهم فرض سلطتهم ومذهبهم بقوة السلاح. ومذهبهم في الحقيقة ليس هو المذهب السني الذي يشكل بحر الإسلام الواسع، بل هو نسختهم الخاصة من هذا المذهب الذي يغتصبون رموزه وقيمته المعنوية وينصبون أنفسهم ممثلين له بالقوة.

تجربة المدن التي دخلها الإسلاميون لا تشجع أهالي المدن الأخرى على استقبالهم بنفس رضية. ربما كان ما يصرح به هؤلاء وما يمارسونه في أماكن سيطرتهم تجعل العلويين أكثر خشية من سواهم، فقد سبق لهم أن عرفوا معنى دخول قوى الإسلاميين إلى قراهم، حين اقتحمت هذه القوى ريف اللاذقية الشمالي المجاور لمنطقة سلمى في آب 2013، وقتلت الأهالي هناك دون تمييز، ثم أسرت شيوخاً وأطفالاً ونساء، قتلت بعضهم ولا يزال قسم منهم تحت الأسر إلى اليوم، فيما يشبه بروفة لاحتمال مستقبلي مخيف.

يدرك أهل الساحل جميعاً أن فتح "معركة الساحل"، كما تسمى، لا تعني سوى المزيد من التهجير والتدمير والقتل ولا شيء آخر، الأمر الذي قد يرى أهل الساحل أنه لا يمكن تفاديه سوى بشكل ما من التقسيم. ولكن بعيداً عن مناقشة موضوع التقسيم بذاته، احتمالاته وتبعاته ..الخ، لا يبدو أن ثمة ما يدعم استخدام تعبير "دولة علوية".

من الناحية المذهبية: ليس في المذهب العلوي تشريع دنيوي يتيح الكلام عن "دولة علوية" كمقابل لدولة إسلامية مثلاً تعمل على تطبيق "الشريعة الإسلامية". فضلاً عن أن المذهب العلوي هو أحد المذاهب الباطنية فلا يكشف عن قناعاته العقدية لغير الراغبين من الذكور المولودين على هذا المذهب، وذلك ليس قبل أن يتعهد من يريد "استلام دينه" منهم بعدم كشف مبادئه تحت أي ظرف. ولم يبدل تبدل الحال عبر مئات السنين هذه الباطنية، كما لم تبدلها سيطرة العلويين المفترضة على الدولة السورية بعد 1963، ولاسيما بعد 1970. الكلام عن "دولة علوية" لا يمكن أن يستوي إذن على صعيد ديني.

من الناحية الديموغرافية: إذا افترضنا أن منطقة الساحل هي المجال الجغرافي لمثل هذه الدولة التي يجري الحديث عنها، فإن الساحل لا يحوي أصلاً أغلبية علوية كاسحة (50% حسب التقديرات)، واليوم باتت نسبة العلويين أقل بكثير، بعد أن استقبل الساحل من السوريين السنة الفارين من المناطق الساخنة أكثر من عدد سكانه الأصليين.

من الناحية السياسية: المسوغ الأخير لاستخدام تعبير "دولة علوية" هو أن رئيسها المتوقع "علوي" باعتبار أنه يتم الحديث عنها كحل أخير أمام نظام الأسد الذي يفقد باطراد قدرته على الاستمرار. إذا كان هذا هو مبرر التسمية، فنحن إذن أمام دولة علوية منذ 1970. يبقى هناك تفسير واحد لاستخدام هذا التعبير وهو أن يكون للعلويين في هذه الدولة المقتطعة امتيازات ليست لغيرهم، أي أن تكون دولة فصل عنصري. لا يبدو أن هذا هو ما يقصده من يكتبون اليوم بكثرة عن دولة علوية، فهم غالباً يقصدون إنها دولة الأسد المطرود من باقي سوريا، أو ملاذه الأخير ..الخ، غير أن هذا هو المعنى الوحيد المتضمن في تعبير "الدولة العلوية"، وهو معنى خارج السياق بالكامل.

إذا أدرك أهل الساحل أن الخلاص من مصير بقية المناطق السورية المهجّرة والمدمرة لا يتم إلا عبر شكل ما من التقسيم، فالراجح أن غالبيتهم، بكل تلاوينهم الدينية والمذهبية، لن يعترضوا عليه، على أمل أن يجدوا فيما بعد طريقاً سالكاً لسورية موحدة خالية من نظام الأسد وأشباهه من الإسلاميين. غير أن الدولة المقتطعة في الساحل، إذا قيض لمثل هذا الأمر أن يتم،  ليست "دولة علوية" بأي حال.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها.