ما بعد الكذب.. خطر الإرهاب الإسلامي ليس الأول

نشرت جريدة نيويورك تايمز الصادرة في 24 حزيران 2015، تقريراً لمركز (نيو أميريكا)، وهو أحد مراكز البحوث في واشطن، يكشف مدى الانحراف عن الواقع ليس فقط في الإعلام الأمريكي بل وفي البحوث والجامعات الأميريكية فيما يخص الأعمال الإرهابية في أميريكا.

يبدأ الأمر بتحديد العمل الإرهابي على أنه "عنف إيديولوجي"، فيهرب من هذا التحديد كل إرهاب عنصري أو مضاد للمجتمع أو غير واضح الإيديولوجيا. هذا التحديد غير البريء يخلق هوة بين ما يلاحظه الكتّاب والباحثون وبين ما يلاحظه رجال الشرطة، أي بين الفاعلين المباشرين في الواقع وبين الواقع كما يُكتب أو ينعكس في البحوث والتقارير.

من الطريف أن تقول التقارير إن خطر إرهاب الإسلام المتطرف هو الخطر الأول في أميريكا في حين يقول رجال الشرطة العكس. ففي دراسة لتحديد أخطر تطرف عنيف قال  74% من عناصر الشرطة إنه "العنف المضاد للحكومة" غير الإسلامي، مقابل 39% اعتبروا أن العنف "الذي يستلهم القاعدة" هو الأخطر.

يماثل هذا التحديد غير البريء والهادف إلى تشكيل تصور أمريكي وعالمي يقول إن تناقضات المجتمع الأمريكي تجد حلولها الدائمة عبر الحكومة التي تعبر عن مجموع الأمريكيين وإن التهديد يأتي الأمريكيين من الخارج عبر إيديولوجيات عنيفة يقصد منها الإسلام المتطرف بالتحديد، أقول يماثل هذا التحديد غير البريء تحديد سوري آخر، ولكنه بريء هذه المرة، قال منذ بداية الثورة السورية إن كل فعل مضاد للنظام هو فعل ثوري، وقد مورس هذا التصور على كل مستويات النشاط الثوري في سوريا، من مستوى ناشطي فيسبوك يدافعون عن قتل استعراضي لشخص "علوي" على أنه "شبيح"، إلى مستوى كتاب معارضين ديموقراطيين تنخفض إلى الصفر عتبة قبولهم لتنويعات الإسلام السياسي بما فيها الجهادية، وصولاً إلى التكثيف السياسي الأعلى في اعتبار "جبهة النصرة" فصيلاً ثورياً على لسان ممثل الهيئة السياسية التي اعتبرتها معظم دول العالم الممثل الشرعي للشعب االسوري.

وكما أظهرت دراسة مركز "نيو أميريكا" أن الكثير من الأعمال الإرهابية العنصرية (التي راح ضحيتها منذ 11 أيلول 2001 حتى اليوم ضعف عدد ضحايا الإرهاب القاعدي في الفترة نفسها في أميريكا) هربت من التقارير والبحوث والسجلات لأنها لا تدخل في التحديد الأميريكي للإرهاب، كذلك دخلت إلى الثورة السورية بفعل هذا التحديد السوري أفعالاً وجماعات لا علاقة لها بالثورة السورية كان من شأنها أن تثقل على الثورة وتفجرها من الداخل وتحيلها إلى حطام.

الموضوع في الحالين ليس كذباً إنما هو آلية أخرى تصادر على الصدق، او قل هي فرض رؤية الواقع عبر موشور محدد سلفاً دون انتباه الشخص أو إدراكه، فيظهر واقع ويحتجب واقع في الحالة الأمريكية، ويظهر واقع إجرامي على أنه من ضمن إطار المجهود التغييري في سوريا. وإذا كان الأمريكيون يخططون بعقل بارد لما يبتغون ولديهم تجربة وتاريخ ومهارة في تمويه الواقع بما يخدم سياساتهم، فإن السوريين المنتفضين ضد نظام القتل العام، تصرفوا بانفعال غلب على التعقل، وسمحوا برضا منذ البداية لكل من يواجه النظام أن يدخل في مفهوم الثورة، وفي النتيجة ساهموا بتصدير صورة "ثورية" مشوهة.

لعل المقارنة تتخذ مكانتها وجاذبيتها من التوافق غير المقصود بين ما ارتسم عن الثورة السورية في الوعي العام والوعي الغربي وما آلت إليه من جهة، وبين ما تريد الإدارة الأمريكية أن تراه في الثورة السورية من جهة أخرى. بانفعال وبتأثير قهر راكمته السنون استقبل السوريون المنتفضون كل من وقف في وجه النظام السوري آملين من ذلك أن يحشد أكثر ويسهل إسقاط النظام، وكان من شأن هذا أن خلق الصورة التي أرادتها أميريكا كي تقطع الطريق دون حرج على مسار تغييري في المنطقة سيكون في العمق ضد مصلحتها ومصالح حلفائها.

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتابها، ولا تعبر عن وجهة نظر "هنا صوتك".